Full Version : مؤتمر "الصحافة تحت الحصار" للإتحاد العالمي للصحف و"النهار" في يومه الثاني
lebanon4all >>أرشيف الصحافة والوثائق >>مؤتمر "الصحافة تحت الحصار" للإتحاد العالمي للصحف و"النهار" في يومه الثاني


<< Prev | Next >>

sawama- 12-11-2006
النهار - الثلثاء 12 كانون الأول 2006

مؤتمر "الصحافة تحت الحصار" للإتحاد العالمي للصحف و"النهار" في يومه الثاني
تجارب في الرقابة والمراقبة في التشريع والاستقلال الاقتصادي والتمويل


الرقابة والتشريع والاستقلال الإقتصادي، محاور اليوم الثاني من مؤتمر "الصحافة تحت الحصار" الذي نظمه "الاتحاد العالمي للصحف" وجريدة "النهار" في فندق "لو رويال" - الضبية تكريماً للذكرى السنوية الأولى لاستشهاد النائب جبران تويني.
مداخلات كثيرة قدمت، تكمن أهميتها في أنها نابعة من تجارب عديدة، امتزجت بخبرات النضال والمواجهة. ولعل أبرز ما خلص اليه اليوم المشاركون ان بعض الصحافيين يعاني مشكلة الخوف المتأصل فيه، وبالتالي على كل صحافي أن يوسع بنفسه دائرة حريته بأي ثمن.

الجلسة الثانية: الرقابة والرقابة الذاتية

"الصحافيون أحرار في كتابة ما يريدون، وللسلطات الحاكمة الحرية في الرد كما يحلو لها". كانت هذه في اختصار خلاصة شهادات الجلسة الثانية بعنوان "الرقابة والرقابة الذاتية". واذا كان التحرر من كل أشكال الرقابة ليس بالأمر البديهي في دول تحكمها الديكتاتوريات كما هي الحال في عالمنا العربي، فإن التحرر منها قد يؤدي أحياناً الى الوقوع في براثن "ابنتها غير الشرعية"، كما وصف أحد المشاركين الرقابة الذاتية. ولعل أبلغ ما قيل في الجلسة جاء على لسان رئيسة تحرير جريدة "الكلمة" الإلكترونية التونسية نزيهة رجيبة: "لست امرأة تكتب كالرجل، أنا صحافية أكتب كالبشر".
وشارك في الجلسة الثانية لمؤتمر "الصحافة تحت الحصار" في فندق "لو رويال" في الضبية، الى رجيبة ناشر مجلة "تيل كيل" المغربية ومديرها الإداري أحمد بن شمسي ومدير موقع "ملتقى البحرين" الاخباري الالكتروني علي عبد الامام. وتولى الكاتب في صحيفة الـ"واشنطن بوست" ديفيد اغناسيوس إدارة الحوار، الذي غاب عنه وزير الإعلام غازي العريضي.
وقال اغناسيوس ان الصحافيين يجبرون في بعض الأحيان على دفع الامور أبعد من السقف المحدد، وقد لا يعرفون انهم تجاوزوا "الحد المقبول" من الجهة المراقبة إلا بعد توقيفهم او تعرض صحيفتهم أو وسيلتهم الإعلامية الى التعطيل.

المغرب

وشرح بن شمسي ان الطوق الذي فرضه الملك الراحل الحسن الثاني قبل وفاته عام 1999 بتضييقه الخناق على الصحافيين تحت طائلة الاعتقال والتعذيب حمل الإعلاميين على تطبيق الرقابة الذاتية في كتاباتهم ومجمل أعمالهم، فامتنعوا عن انتقاد الملك أو التطرق الى مواضيع الجنس أو الى قضية الصحراء المغربية. وقال: "بعد وفاة الملك انهار هذا النظام المبني حوله، ووجدنا أنفسنا امام بوابة كبيرة من الفرص المفتوحة بعد 40 سنة من الحكم الديكتاتوري. ولكن خلال السنوات، تطور الخوف ليصبح طبيعة ثانية لدى الصحافيين، من غير أن يمنع ذلك ظهور صحافة مستقلة. وعمدت هذه الصحافة الى سياسة القضم، فلجأت الى امتحان السلطات ودرس ردود فعلها على نشر مواضيع كانت محظورة، مما ساهم في توسيع هامش الحريات الإعلامية. وشيئاً فشيئا، بدأت المحظورات تزول، إلا أن الحريات ليست مطلقة بعد. فنحن ممنوعون من تناول الحياة الشخصية للعائلة الملكية والمواضيع الإباحية، كما لا يمكننا الدفاع عن الإلحاد. وهنا يطبق الإعلاميون الرقابة الذاتية (...). وفي بعض الحالات، تكون ردات الفعل الحكومية خجولة، كرفع دعوى قدح وذم او عقد جلسات محاكمة صورية، إلا أن الامر لا يشبه ما يحصل في بعض الدول العربية. نحن أحرار في كتابة ما نشاء... ولكن للسلطات الحكومية الحرية في الرد كما يحلو لها.

تجربة تونسية

المداخلة الثانية كانت من تونس، "باسم فئة من الصحافيين اختارت المواجهة". هكذا ارادت رجيبة اختصار الرسالة التي نقلتها من عمق تجربة مهنية اعترضها الكثير من العوائق ولا تزال. ترى رجيبة ان الرقابة في بلادها "غير تقليدية"، ولان السلطة حرمت العدد من الصحافيين الكتابة، كثرت المواقع الالكترونية، وخصوصا بعدما صعب الحصول على ترخيص لنشرة مكتوبة.
تقول: "لم تبق الا جرائد حيّة ميتة، لا غاية لها سوى التطبيل للحاكم، لكننا مستمرون لاننا نحرص على ممارسة اقتناعاتنا وحقوقنا بالفعل، وعدم الاكتفاء بالكلام، لذا اعتقد ان الرقابة في تونس ليست رقابة المكتوب بل رقابة الكاتب كي لا يكتب، اي انها من نوع الرقابة الوقائية". واذ تشير الى ان "محاكمات الرأي العام في بلادنا هي محاكمات حق عام"، تلفت الى انها اتهمت سابقا بتهديد الموازنة في تونس، فالسلطة تريد ان تعاقب من دون ان تترك اي اثر".
وبصراحة مطلقة، قالت: "الديموقراطيون يحملون الديموقراطية للزينة، وانا اخاف ان اكتب عن المعارضين كما لو ان هذه المسألة البقرة المقدسة عند الهند، فيصبح الصحافي مذنبا اذا اراد ان يمارس الانتقاد والحرية الى ابعد الحدود".
وختمت: "الحالة ميؤوس منها، ما دامت هذه السلطة باقية، في نقص الكفاية والاستبداد والفساد، وما دام هذا الثالوث مسيطرا، فلا مجال للتغيير، وكل ما نرجوه ان يفاجئنا المستقبل، انما لا يجوز ان نغض النظر عن الاستبداد الواقع، ونحارب الاستبداد المتوقع".

البحرين

بعدها، تحدث الصحافي علي عبد الامام، وهو مدير موقع اخباري الكتروني في البحرين، وخرج من تجربة اعتقال بسبب مواقفه التي تنتقد السطة.
استهل الامام مداخلته بتعداد ابرز المحطات التاريخية التي مرت بها البحرين منذ 1971، اي تاريخ انسحاب بريطانيا من البلاد، وصولا الى عام 2000، "عندما صدق المعارضون ان ثمة تغييرات ستطرأ على صعيد الحريات، فباتوا يعلنون هوياتهم الحقيقية بعدما كانوا يكتبون بأسماء وهمية، لكنهم صدموا حين انقلب ملك البحرين على الميثاق، فكان ان اغلق الموقع الالكتروني للمرة الاولى عام 2000، لانه كان معارضا للتغييرات غير الدستورية".
ويقول عبد الامام: "عام 2005، وفي العهد الذي سمي بالاصلاحي، اعتقلوا اختي رهينة، ثم اعتقلوني وحققوا معي، واللافت ان من حقق معي كان مصري الجنسية، وكانت ابرز التهم الموجهة اليّ انني لست وطنيا، وقد لفقوا لي خمس تهم، ثلاث منها اهانة الذات الملكية، والرابعة تحريض على إشاعات كاذبة والخامسة التحريض على كراهية النظام، واستمر اعتقالي 15 يوما، وكانت فترات التحقيق تمتد من الصباح حتى الليل".
والغريب في تجربة عبد الامام انه رفض دفع الكفالة لقاء خروجه من السجن، لانه كان مؤمنا بانه لم يقترف اي ذنب، وبالتالي على النيابة العامة ان تدفع هي الكفالة، وبعد الضغط اضطرت السلطة الى ان تفرج عنه "لانها كانت متخوفة من الاعتصام الذي كان سيقام بعد يومين، احتجاجا على التصرفات المسيئة الى الحريات".
ثم كانت مناقشات عدة ركزت على دور الصحافي في كسر حاجز الخوف وتوسيع دائرة حرياته، حتى لو كان الثمن غاليا، واجمعت معظم المداخلات على ان " حرية الصحافي يمكن ان تكلفه حياته، مثلما حصل مع الشهيد جبران تويني، قبل عام تماما".

الجلسة الثالثة: مراقبة وسائل الاعلام عبر التشريع

عقدت الجلسة الثالثة بعنوان: "مراقبة وسائل الاعلام عبر التشريع" وعرض فيها المحاضرون الآلية القانونية للرقابة على الصحف العربية وسبل ازالتها بغية السماح للصحافة الحرّة بالازدهار.
وقدم للجلسة الصحافي التونسي كمال العبيدي مذكراً أن الدول العربية قد تعهدّت منذ تسع سنوات إلغاء التشريعات المقيّدة لحرية الصحافة، مصادقة على وثيقة اعلان صنعاء 1996 الدورة 29 في منظمة الأونيسكو وانعقدت في باريس عام 1997 ، فيما معاناة الصحافيين لا تزال مستمرة في كثير من البلدان، متحدثاً عن تجربة الصحافيين المحاضرين التي اتصفت بالأكثر جرأة وتحدياً للقوانين واستخفافاً بالخطوط الحمر.

التجربة المصرية

المداخلة الأولى كانت لرئيس تحرير صحيفة "الدستور" المصرية ابرهيم عيسى الذي يواجه ملاحقات قضائية وحكماً بالسجن سنة وينتظر آخر يصدر غداً، لمجرد أن زميلته سحر زكي نشرت خبراً في الصحيفة يتحدث عن مواطن مصري رفع قضية على رئيس الجمهورية حسني مبارك. وما استوجب مقاضاة الثلاثة، المواطن والصحافية ورئيس التحرير بتهمة اهانة رئيس الجمهورية واذاعة أنباء كاذبة. وفي كوميديا سوداء تلا على الحاضرين نصّ قرار القاضي بحرفيته، ممّهداً بالقول أن كلنا في الهمّ عرب:" لكل مواطن مصري تضرّر وتكدر صفوه ونزل الرعب في قلبه أن يتصدّى لذلك بكل طرق القانون في مواجهة من نالوا من حرية الديموقراطية بالتشهير والتلاحق في نشر أخبار تبث الرعب في قلوب الناس وتكدّر أمنهم وصفوهم – فان الخبر الذي نشر يعطي الحقّ لجميع مواطني مصر العربية بأن يطالبوا بمحاكمة من اتفق على بثّ الرعب في قلوبهم وكدرهم في شأنهم وحياتهم وأغار عليهم بأخبار تسيء لمصريتهم وديموقراطيتهم. فهم من انتخبوا ذلك الرئيس وأسرته ليكونوا حاكمين باختيارهم من دون ضغط أو اكراه، وثم يعكر صفوهم وأمنهم ويبث الرعب في قلوبهم قراءتهم مثل هذا الخبر".
ولفت عيسى الى أن أخطر ما يضطهد الصحافة المصرية هو الشقّ القانوني، لأن ما من قانون تمّ الغاؤه منذ مئات السنين. "حتى تجد أن بعض القوانين ما زالت أحكاماً ملكية مضافة عليها غابة من التشريعات لتكون في خدمة السلطة وتهديد الحريات الصحافية طيلة الوقت.
لدينا أحكام تقضي بالسجن على الصحافي وان تنفسlebanon4all/ta3ajub.gif ورغبة الحاكم هي التي تقرّر، ويمكن أن تجعل الصحافي الساعي الى اصلاح ملاحقاً بالثأر".
كما عرض ابرهيم عيسى لبعض النماذج التي تقيّد الصحافيين في مصر بدءاً بوجود 25 مادة قانونية مخصّصة لهم، مروراً بالتهم الكبيرة والمطاطة، وصولاً الى اللغط التشريعي والتي يسهل معها سجنهم وإبعادهم عن أقلامهم وأولادهم وأهلهم لمجرد ما سماه بـ"كلام عبثي".

التجربة المغربية

أما علي عمّار، صحافي مغربي مؤسّس لصحيفتين: واحدة يومية عربية "الصحيفة"، وأخرى فرنسية " le journal hebdomadaire " وناشط حقوقي في مجال حرية التعبير، فتحدّث عن التجربة الصحافية المغربية التي لا تزال تعاني الكثير رغم الاعتراف أنها أفضل من المراحل السابقة. " هناك مبادىء عامة لا تزال حاضرة يتمّ تحديدها وتفسيرها كما يحلو لأي كان، في ظل مجموعة من العقوبات المفروضة لملاحقة الصحافيين بدءاً بالسجن وصولاً الى دفع الغرامات، في بلد صُنّف الأول بين الدول العربية بالتمتع من تطور حرية التعبير".
وعدّد عمّار العناوين العريضة التي تتلطى الدولة وراءها لملاحقة الصحافيين، كاتهامهم بالتمييز العنصري، التحريض على العنف، والسلبية، لافتاً الى الاستمرار في اضطهاد قادة الرأي عبر تطبيق عقوبات مالية ضخمة على الصحف لا يمكنهم دفعها، فهي قمعية لا تعويضية. "تستطيع السلطة أن تقمع الصحافيين بشتى الوسائل، مستعملة لذلك بعض قوانين محاربة الارهاب لتخويف الصحافيين، ان تعرّضوا للملك أو مصروفه أو وزرائه كونه شخصية مقدسة لا يمكن أن يوجه اليها أي نوع من الانتقادات، ويجري حالياً اقرار قانون يمنع بموجبه اجراء احصاءات عن الملك أو الصحراء الغربية وما الى ذلك ".

لبنان وقانون الصحافة

استهل المحامي زياد بارود والاستاذ المحاضر في الجامعة اليسوعية كلمته باستذكار الشهيد جبران تويني عبر تلاوة مقطع من كتاباته المنشورة في "النهار": "لم نعد نحاكم على ما نكتبه، بل ربما على ما لم نكتبه، وعلى ما فكرنا في كتابته بعدما حلمنا به خلال الليلlebanon4all/ta3ajub.gif ترى ماذا يحصل في لبنانlebanon4all/estefham.gif ولماذا هذا الجنون وهذه "الهستيريا" لدى الجميعlebanon4all/estefham.gif".
وتحدث بارود عن محطات في الصحافة اللبنانية المشرّفة، تحية لجبران وعائلته وأسرة "النهار"، ساقها كمدخل يعبّر عن حال صحافة لبنانية واقعة تحت الحصار، حصار الرقابة بقوة القانون، لا بقوة الحقّ. قانون تضعه سلطة ما، في زمن ما، لتلغي اعتراضاً أو مساءلة أو مناقشة أو رأياً، منّوهاً بـ" وسائل الاعلام والنشر في لبنان التي ساهمت في مواكبة الأداء السياسي والاداري والمالي والخدماتي متيحة للبنانيين امكان الحصول على المعلومات، رغم القيود المانعة للنشر والقيود "التهويلية" التي تتمثل بالسيف المصلت على أهل الصحافة عبر ما يعرف بجرمي القدح والذم. وان ما يحول بصورة أساسية دون تداول المعلومات هو نص عقابي يسمح بملاحقة صاحب المعلومة /أو ناشرها من دون أن يتمكن الأخير من تقديم اثبات صحتها رفعاً للعقوبة. وفي ذلك "وقاحة" تشريعية تصل الى حدّ تمكين المرتكب من أن يلاحق، هو، من يفضح ارتكابه، بدل أن يعتبر اثبات الأخير لصحة ما يقول بمثابة اخبار يحرّك النيابة العامة".
كما تحدث عن آليات الوصول الى المعلومات لافتاً الى أن" الرقابة الأهمّ على الصحف، تبقى تلك التي تمارس بالاستناد الى طبيعة المواد المنشورة، بحيث يبدو أن المشترع أبقى حقّ "الاقتصاص" من الصحيفة التي تنشر مادة غير مرغوب فيها، كأن تنشر محاضر مجلس الوزراء أو تفاصيل التحقيق الأولي في ملف قضائي مثلاً. وفي ذلك ضرب لحقّ الحصول على المعلومات، وهو حقّ دستوري كانت كرسته المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان بصورة غير مباشرة عندما نصّت على أنه "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير".
وختم بارود متسائلاً:" لماذا هذا الحرص على حرية الصحافة وعلى "رفع الحصار" عنهاlebanon4all/estefham.gif ولماذا الحرص على ولوج آليات قانونية وتشريعية ترفع الرقابة عن الصحفlebanon4all/estefham.gif ببساطة كلية: لأن دور صاحبة الجلالة، بالاضافة الى دورها في تسهيل حقّ الاطلاع، هو السعي الى تسهيل الـ "لا" التي كتب عنها عام 1949 المفكر ميشال شيحا، أحد آباء دستورنا، قائلاً: "في أكثر البلاد تقدماً، ينصاع الناس بحرص ويخضعون بدقة الى انظمة شديدة. ولكن تلك البلاد هي التي يعف فيها الناس كيف يقولون "لا"، بالقدر الاكبر من القوة ورباطة الجأش".
المشهد نفسه يتكرر في العديد من الدول العربية، حتى ليصح اعتماد المقال نفسه واستبدال كلمة "ملك" بكلمة "رئيس"، والعكس بالعكس. ويبقى الأمل ضئيلاً في سبيل تحقيق الحرية الصحافية الكاملة من الرقابة التي يجب أن تكون ذاتية، فلا صداقات للصحافي في مراكز صنع القرار، وإن وجدت فلتدجن قلمه لمصلحتها.

الجلسة الأخيرة: "الاستقلال الاقتصادي واستمرارية التمويل"

المداخلة الأولى في الجلسة الأخيرة كانت لناشر صحيفة "الوطن" الجزائرية عمر بلوشه بعد تقديم من رئيسة الجلسة ناتاشا فوكوفيك ليسيندريتش. رئيس تحرير صحيفة "لو ماتان" الجزائرية عمر بلوشه رأى أن "كل الأنظمة تشن حملات كبيرة للحد من حرية الصحافة متى وجدت ولمنع قيامها في الدول حيث يسعى بعض الصحافيين الى اطلاقها، فتسعى السلطات الى طمسها وشد الخناق عليها. وتختلف اساليب القمع باختلاف البلدان، ففي الجزائر مثلا تستعمل أساليب وحشية لقمع حرية الصحافة والصحافيين، فيما تختلف الأساليب في المغرب وتتخذ أشكالا أخرى".
وعن التجربة الجزائرية روى أن "محاربة الصحافة تزامنت مع قيام تحركات الحركات الاسلامية. ولست أقصد هنا الاساءة الى أحد، وأعرف أن ثمة مناقشة سياسية أساسية انطلقت في الدول العربية حول مواضيع الحرية والديموقراطية. ولكن الواقع أن بعض الحركات يعتبر أن الديموقراطية وحقوق المرأة كفر. وعام 1992 بدأت الحركات الاسلامية بالظهور في الجزائر مع قادتها المعروفين، ومعاناة الصحافة مرتبطة في شكل أو آخر بظهور الحركات الاسلامية. فمنذ ذلك التاريخ اضطررنا للعمل على جبهتين، فثمة من الصحافيين من اختار البقاء في البلاد والمواجهة، فيما اختار نحو 400 صحافي مغادرة الجزائر وتوجهوا في معظمهم الى فرنسا. وبالنسبة الينا نحن الذين قرروا البقاء وكان علينا أن نختبئ، ولقد ساعدتنا المنظمات الدولية كثيرا، ومنها الاتحاد العالمي للصحف. وأذكر أنه في العام 1997 استقبلنا وفدا من الاتحاد ضم بين صفوفه الشهيد جبران تويني وساهم الوفد خلال لقاءاته الرسمية مع المسؤولين الجزائريين في الضغط على الحكومة لتخفيف الضغوط عن الصحافيين. وكان من أول أهدافنا كصحافيين جزائريين وضع حد لأعمال القتل بحق الصحافيين التي كانت تقوم بها المجموعات الاسلامية المتطرفة اذ أنهم كانوا يقتلون أي صحافي يصلون اليه سواء كان يكتب بالعربية أو الفرنسية وسواء كان مواليا للأميركيين أو حتى متعاطفا مع الاسلاميين.

المعركة الاقتصادية

وفي ما خص التجربة الاقتصادية أشار بلوشه الى أنه "في موازاة الحرب السياسية والأمنية كان لا بد من بناء مؤسسات اقتصادية تواكب العمل الصحافي رغم أن هذه الفكرة كانت تبدو غير واقعية. ففي مواجهة احتكار الدولة للاعلانات قررنا الاستثمار في ميدان الاعلان. وساعدنا في ذلك أنه عندما وقعت الدولة في عجز اقتصادي فرض عليها صندوق النقد الدولي، كشرط لمساعدتها، أن تعتمد سياسة السوق المفتوحة وأن تنفتح على الأسواق الخارجية. وشكل هذا الوضع نافذة للصحف المستقلة للحصول على اعلانات من القطاع الخاص. وتجدر الاشارة الى أننا منذ عام 1993 لم نتلق أي اعلان من الجهات الرسمية. وكل ما استثمرناه كان بواسطة المبيعات والقطاع الخاص. ثم أنشأنا شركة متخصصة في جمع الاعلانات على الصعيد الوطني لنحظى بهامش تحرك على الصعيد المالي. كما اطلقنا بالتعاون مع مجموعة ناشرين تعاونية للنشر. لكن واجهتنا صعوبات كثيرة في جمع أموالنا من شركات كثيرة كانت تراهن على أننا لن نصمد فترفض تسديد متوجباتها حيالنا، فلم تنجح تجربتنا الأولى مع الناشرين باللغة الفرنسية لأن الصحف كانت تتنافس في ما بيننا. فأسسنا تعاونية جديدة مع صحف تصدر بالعربية، اضافة الى شركة متخصصة في التوزيع. ودخلنا أيضا عالم الطباعة، لأن الحكومة كانت تسيطر كليا على هذا القطاع وتمنع صدور أي صحيفة ساعة تريد لأنها تتحكم في المطابع التي تعود لها مما كان يهدد استمراريتنا. ونحن في صحيفة "الوطن" تعرضنا للايقاف 7 مرات لفترات مختلفة كل مرة (...).
وخلص بلوشه الى اعتبار أن "بلادنا حساسة حيال النقد الدولي لأدائها ولذلك فان استمرار العمل ضمن مبدأ التضامن الدولي بين الصحافيين أمر بالغ الأهمية. وأعتقد أن الحرية الاعلامية والديموقراطية وحرية التعبير، كلها مبادئ لا تتناقض مع الاسلام، لكن المشكلة أن بعض السياسيين يستغلون الدين لمصالحهم الخاصة".

معاناة السلطة الرابعة

ولم تكن مداخلة ناشر صحيفة "المصري" هشام قاسم مسهبة مثل بقية المشاركين في المؤتمر. وبدأ كلامه بالتشديد على عمله الكثيف في الصحافة معتبرا ان معاناته مع السلطة الرابعة تتشابه مع شهادات الكثير من الزملاء المشاركين في المؤتمر. و أكد ان النظرة الى الصحافة في مصر بدأت تتغير منذ 6 أعوام لأنه وصل شخصياً الى اقتناع ذاتي أن الإدارة الصحافية الهشة والضعيفة هي أكبر أداة تهدد مكانة الصحافة واستمراريتها على حد سواء". واعتبر ايضاً أن الإنفاق الإعلاني لا يغطي اكثر من 10 في المئة من الإنفاق الإعلامي، وتغطي الأنظمة السياسية القسم الاكبر المتبقي من المداخيل المطلوبة في موازنة الصحف.
واستعاد قاسم تاريخ الصحافة المصرية التي شهدت زمناً من الحرية قبل انقلاب 1952 مؤكدا ان هذا العصر شهد صحافة حرة وصحفا متعددة وإطلاق شركات نشر بعضها كان يقفل ابوابه وبعضها الاخر كان ينطلق بقوة ودينامية لافتة. وتوقف عند عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي امم الصحف الى درجة انه فرض على كل صحيفة منصب مراقب لمضمونها وهو عرف بمكتب الرقيب. وانتقل الى عهد الرئيس الراحل انور السادات الذي شهد مسعى جديا منه الى الميل نحو الكتلة الشرقية مما دفعه الى إلغاء الرقابة على الصحف. لكن المشكلة كانت في الفترة التي جاءت بعد هذا القرار وارتكزت على صعوبة تسجيل اي مطبوعة في دوائر الدولة. وهذا دفع، بحسب قاسم، بعض الناشرين الى طباعة جرائدهم في الخارج وإدخالها الى مصر عبر مطار القاهرة، مما اثار امتعاض بعض المسؤولين في الدولة ودفعهم الى إصدار قانون رقابة على المطبوعات الأجنبية تحسباً لممارسة الرقابة على الجرائد المصرية التي كانت تصدر خارج مصر وتصل اليها عبر مطار مصر الدولي ."

سلمان: "نوبل لمن يحل الاستراتيجية المالية"

اما رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان فتساءل "كيف يكون حوار بين مستريبين أحداً بالآخر، وهي إسترابة تمنع المصارحة أو تجعلها مواجهة شخصية لا تفيد إلا في إستعداء دولة أخرى على بلدك المنهك بالخصومات".
وتحدث بإسهاب عن الصحافة اللبنانية التي "تراجعت فغرقت في محلية ضيقة كادت ان تذهب بدورها الريادي". وشرح مكانتها قبل الحرب الأهلية، اذ كانت حتى الانفجار أواسط السبعينات "صحافة العرب جنباً الى جنب مع الصحافة المصرية". وأضاف: "لم تعد اليوم كذلك. إنتقل المركز مباشرة أو بالواسطة الى نواح أخرى، واصبح الصحافيون اللبنانيون ركيزة أساسية في إنطلاق الصحف العربية وفي نجاحها...".
و عن دور الصحافة قال: "إن الصحافة مساحة للمناقشة فإذا كنت أسير مكتبك أو اسير الاخطار في بلدك، تخاف أن تتحرك فيه بحرية، وتخاف أن تتركه فلا تقدر على العودة إليه، ويخافك المسؤول العربي فيعتذر عن لقائك منعاً للحرج، وتتجنب مساءلته إذا لقيته حتى لا تتسبب في أزمة سياسية إضافية. هو ينظر اليك كأنك تحمل خطر العدوى بمرض خبيث، في حين قد تنظر اليه بأنه قد رماك بدائه وانسل...".
وتوقف سلمان عند موقع بيروت أواسط الخمسينات والستينات معتبراً "أن بيروت كانت مركزاً للصراع السياسي بين توجهات مختلفة تقودها أو تعبر عنها أنظمة مختلفة في منطلقاتها الفكرية وفي منهجها الإقتصادي- الإجتماعي...". ولفت الى ان الصحافة أفادت في شكل خاص من هذا الصراع السياسي، إذ كانت بين منابره الأهم والأخطر، وبالتالي يسّرت لها هذه المكانة أن تحصل على فرصة طيبة لزيادة مساحة إنتشارها وكذلك لزيادة مداخيلها الإعلانية، مباشرة أو عبر الأعداد الخاصة التي كانت توفر لها مدداً إضافياً لا يساعد في سد عجزها فحسب بل يمكنها من تطوير وسائل الإنتاج وتعزيز قدراتها المهنية، بل إن هذا الوفر قد وفر الفرص لبعض الدور الصحافية من أجل إنشاء شركات مع أصحاب نفوذ يطلبون المجد ولا يبغون الربح، لكنها لم تستطع أن تعمر طويلاً لأنها شراكة بين غرضين، و ليس شراكة من أجل هدف موحد أو مشترك". ولاحظ أن "لكل بلد عربي صحافته ووسائل إعلامه اليوم، وكلها أعظم غنى وأكثر تطوراً في وسائط الإنتاج وتقنياته من الصحافة اللبنانية، خصوصاً أن أسباب التمويل متيسرة هناك، متعذرة هنا". أضاف: "في أقطار الجزيرة والخليج دخل كبار المستثمرين ومعظمهم كانوا تجاراً ثم أضافت اليهم ظروف الطفرة المالية الهائلة وغزو شركات الإنتاج العظمى الفرصة ليتحولوا وكلاء تجاريين أو شركاء على البعد أو رجال أعمال عظيمي الثراء، وأن يتحولوا الى المجال الصحافي بقدراتهم الذاتية الواسعة وبوجودهم النافذ في السوق الإعلاني، فأنشأوا مؤسسات عصرية إستقدموا لها الخبرات من الاقطار الفقيرة والتجهيزات الحديثة من أكثر الدول تقدما. لم تعد الصحافة اللبنانية صحافة العرب، وتسابقت الصحف العربية القديمة أو المستحدثة سواء في المهاجر، أو في عواصم لم تكن تعرف الصحافة، على استقطاب الصحافيين اللبنانيين الأكفاء الهاربين من حروب بلدهم الصغير".
وأضاف: "بين الأسباب العملية لأزمة الاستقلال الاقتصادي للصحافة في لبنان أن البورجوازية اللبنانية تتشكل في غالبيتها من تجار وملاكين أو وسطاء تجاريين. حتى الكبار من أهل السياسة كانوا في الأصل من كبار ملاكي الأراضي أو من أهل التجارة أو وكلاء الفبارك وشركات الانتاج الكبرى في الغرب أساسا ثم الشرق الذي صار غربا. ليس لبنان بلدا صناعيا ولا تسوده قيم المجتمع الصناعي وأعرافه. ورأس المال في معظم الحالات هو رأس مال فردي أو عائلي ناتج من الارث أو الجهد الفردي في أعمال الوساطة والوكالة التجارية، وليس نتيجة تراكم انتاج صناعي كثيف هو بطبيعته جماعي وموجه الى الجمهور الواسع. وربما لهذا بين أسباب كثيرة أخرى يحجم رأس المال عن الدخول كشريك في تأسيس الصحف أو انتاجها. إن النظرة الأولية الى الصحف، بكلفتها العالية ومداخيلها الضئيلة في بلد غير صناعي، جمهوره محدود وسوقه ضيقة والخروج الى الأسواق الأخرى مكلف بما يذهب بالربح المحتمل، بل إنه يضاعف الخسارة، كل ذلك لا يشجع أصحاب رؤوس الأموال على الاستثمار في الصحف، في حين أنهم أكثر شجاعة في الدخول كمساهمين في الفضائيات التلفزيونية التي تستطيع الوصول الى الجمهور العربي بأكلاف مقبولة اذا قيست بحجم المساحة الاعلانية التي تستطيع الحصول عليها بحكم اتساع رقعة مشاهدتها".

ملاحظات نهائية

ختاماً، اذاع سعيد السلمي المدير التنفيذي لمركز حركة الاعلام في الشرق الاوسط وشمال افريقيا التوصيات، واعتبر ان الوضع في المنطقة ليس قاتما الى هذا الحد اذا ما عدنا الى الثمانينات، "عندما كان مفهوم حرية التعبير غير موجود وكذلك حرية التعبير، ولم تكن تجري مناقشات كالتي نجريها الان. فكان الاعلام يخضع الى سيطرة الدول لا سيما في مجال الصحف وكان يخضع الى حكم الاحزاب السياسية، وحدها كان يحق لها ان تعمل، وكان الصحافيون يعتبرون موظفين ويناقشون المسائل المتعلقة بأخلاقيات الصحافة وكانت الحكومات تؤيدها وتعتبرها مواضيع يجب مناقشتها ولم تكن تناقش حرية الاعلام".
واعتبر ان "المسائل الكبرى التي نوقشت في المؤتمر ثلاث، فتطرقنا الى الاطار التشريعي وهو مهم ويسمح لنا بمعرفة حدود الصحافة الحرة، وناقشنا الجانب الاقتصادي وهو امر غاية في الاهمية. فالصحافة ان لم تكن مستقلة اقتصادياً لا يمكن ان تكون حرة. وثمة مسائل لم يتم التطرق اليها هي تنظيم المهنة في ذاتها وعملية التأييد التي تسمح بالدفاع عن حرية الصحافة في بعض البلدان. اضافة الى مسألة دخول المهنة بوجود قيود في هذا المجال في بعض الدول، وحق الوصول الى المعلومات، اذ ان ما من دولة عربية تسمح بالنفاذ الى المعلومات ولا حتى في القانون. كما ان هناك مسألة التشهير والاعتداء وقيود توضع على محتوى النشر". وختاماً تطرق الى ضرورة اعتماد اقتراح تقدم به "معهد امن الصحافة" في بروكسيل لممارسة الضغوط على الامم المتحدة لاصدار قرار حماية الصحافيين، ولاسيما العاملين في مناطق النزاع، مشددا على ضرورة تدريب الصحافيين وحمايتهم في شكل مناسب قبل دفعهم الى التغطيات في الاماكن الساخنة.
وختم أعمال المؤتمر رئيس مجلس ادارة "الاتحاد العالمي للصحف" تيموثي بالدينغ باعلان امكان اعتماد المؤتمر سنويا لتبادل الخبرات في ظل التحديات المتعددة التي تواجه الصحافة، داعيا الى المشاركة في المؤتمرات المختلفة التي ينظمها الاتحاد.

نقابة الصحافيين اليمنيين تهنئ السقاف بجائزتها

هنأت نقابة الصحافيين اليمنيين امس رئيسة تحرير صحيفة "يمن تايمز" ناديا السقاف لمناسبة فوزها بجائزة جبران تويني الدولية الاولى في لبنان. وقال وكيل اول النقابة سعيد ثابت في تصريح صحافي "ان حصول الزميلة ناديا على الجائزة هو تكريم لكل الصحافيين اليمنيين".
واشار الى انه شخصيا واعضاء مجلس النقابة "فرحوا كثيرا بحصد صحافية يمنية لهذه الجائزة لتضاف الى رصيد الصحافيين اليمنيين الذين يحققون هذه النجاحات التي ترفع اسم اليمن وتحسن صورتها كوطن وشعب، وتسمو بالمهنة الصحافية في اليمن والمنتسبين اليها رغم الانتهاكات المتصاعدة التي يتعرضون لها".
يشار الى ان والد ناديا الدكتور عبد العزيز السقاف سبق له ان فاز بأول جائزة دولية يحصل عليها صحافي يمني. وكان قد توفي في حادث مرور اثيرت حوله الكثير من الشبهات بسبب نشاطه المتزايد في مجال الحريات والدفاع عن حقوق الانسان.
من جهة اخرى، دانت النقابة منع رئيس تحرير صحيفة الشورى عبد الكريم الخيواني من السفر الى المغرب لحضور ندوة حقوقية يشرف عليها الصليب الدولي.

(ي ب أ)



Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.