لا أمل في حوار في المستقبل المنظور ولبنان يبقى خط الاحتكاك
توالت الضغوط على الرئيس بوش في الفترة الاخيرة من اجل دفعه الى تغيير سياسته في الشرق الاوسط. وكانت ابرز عوامل الضغط هذه قد تمثلت بفوز الديموقراطيين في الانتخابات النصفية وسيطرتهم على مجلس النواب والشيوخ. وجاءت مبادرة رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير لاعتماد خيارات سياسية جديدة في التعامل مع ازمات المنطقة، وذلك بالتركيز على ضرورة حل القضية الفلسطينية كخطوة ضرورية واساسية على طريق معالجة الاوضاع المتدهورة في العراق. يبحث الرئيس بوش بنتيجة هذه الضغوط المتتالية عن صيغ تؤمن له المخارج العملية للوضع في العراق بحيث تتجاوب مع ارادة التغيير التي عبّر عنها الناخب الاميركي، ولكن من دون ان تخل بالتعهدات المتكررة التي سبق واعلنها هو شخصياً والتي ركزت دائماً على التزام الولايات المتحدة بالابقاء على قواتها في العراق الى حين قيام حكم عراقي قادر على حماية الاستقرار بقواته الذاتية. تأتي حمى الاجتماعات والتصريحات التي بدأت تجتاح المسرح السياسي في واشنطن كتعبير عن قوة الارتجاجات التي خلفتها نتائج الانتخابات النصفية، والتي كان من اول ضحاياها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي لم يكن يتحدث احد عن امكانية تخليه عن وزارة الدفاع حتى في الساعات الاخيرة التي سبقت اعلان نتائج الاقتراع. وهناك مؤشر آخر على اسراع ادارة بوش للامساك بالوضع المستجد وذلك من خلال العمل على استيعاب اللعبة السياسية قبل حلول العام الجديد وبداية ولاية الكونغرس مع نصفه الجديد. لكن جاءت المفاجأة من لندن عندما قرر رئيس الوزراء البريطاني ارسال مستشاره السياسي الخاص نيجل شاينوود في مهمة استطلاعية الى دمشق من اجل البحث عن ارضية جديدة لمبادرة تغييرية في النهج السياسي تجاه المنطقة. وحاولت وسائل الاعلام ان تضع مبادرة طوني بلير ضمن اطار شعوره بان رياح التغيير ستهب قريباً من واشنطن، وبأنه لا يمكنه ان يتخلف عن ان يخط لنفسه دور الشريك في الرؤية التغييرية التي تولدت من الشكوك التي بدأت تطوق الادارة الاميركية بسبب النتائج التي افضت الى الانتخابات واستمرار التدهور السياسي والامني داخل العراق. وكان بلير قد تحدث في وقت لاحق مبرراً مبادرته عن التغيير الذي طرأ على «طبيعة المعركة» وعن ضرورة تحوّل الاستراتيجية الغربية في منطقة الشرق الاوسط، بما في ذلك النظر في التعامل «مع ايران كشريك». لكن لم يقم طوني بلير من خلال موفده الى دمشق، وعرضه للانفتاح على ايران، ودعوته لحل القضية الفلسطينية كمدخل لاستعادة الاستقرار في المنطقة، بدور المنافس للرئيس الاميركي، حيث ذكرت آخر المعلومات ان موفده الى دمشق قد زار واشنطن في وقت سابق وبانه قد اجتمع الى وزيرة الخارجية الاميركية ومستشار الرئيس الاميركي للامن القومي. السؤال المطروح الآن: ما هي القواعد الجديدة التي يمكن استعمالها كمنطلق للتغيير في النهج السياسي الاميركي - البريطاني تجاه منطقة الشرق الاوسط وما هي الآليات التي يمكن استعمالها للانتقال من استراتيجية المواجهة مع قوى رئيسة في المنطقة، مثل ايران وسوريا الى استراتيجية الحوار والتعاون في العراق ولبنان وفلسطين كانت الاوساط المتابعة لحركة الادارة الاميركية قد قالت بضرورة انتظار صدور التقرير الخاص الذي ستضعه لجنة بايكر - هاملتون حول العراق، والتي كان قد نسب اليها سابقاً الميل الى التوصية باعتماد الحوار مع ايران كوسيلة لمعالجة الوضع العراقي. لكن لم يصدر اي شيء يؤشر الى توجهات اللجنة المذكورة بعد الاجتماع الذي عقدته يوم الاثنين الماضي مع الرئيس بوش. وتفيد آخر التقارير الواردة من العاصمة الاميركية ان هناك ميلاً لدى الديموقراطيين للتجاوب مع الاستراتيجية الجديدة التي يقترحها القادة العسكريون والتي تركز على زيادة عديد القوات الاميركية في العراق باضافة عشرين الفاً على مستواها الحالي، وذلك انطلاقاً من قناعتهم بانه ليس هناك من «بديل للنصر» والذي يمكن ان يتحقق اذا ما امكن السيطرة على بغداد، والتوسع منها باتجاه المناطق الاخرى في وقت لاحق. يضاف الى هذا التطور المفاجئ في موقف الديموقراطيين والذي يصب في مصلحة خيارات الحرب التي يعتمدها بوش، الموقف المتشدد الذي يعبّر عنه الرئيس تجاه كل من ايران وسوريا، حيث يطالب طهران بضرورة وقف برنامجها النووي كشرط اساسي للحوار، ويطالب دمشق بضرورة وقف تدخلها في الشؤون اللبنانية، والتخلي عن دعمها لحزب الله ولحماس وهي مطالب ترفضها العاصمتان. ولا يبدو ان الشروط التي تحدث عنها طوني بلير من اجل اطلاق عملية الحوار والانفتاح مع ايران وسوريا هي بافضل من المطالب الاميركية. اشترط بلير على طهران وقف دعمها للارهاب في المنطقة او مواجهة العزل السياسي والاقتصادي. ان ما ورد في مشروع بلير لاطلاق عملية الحوار وعلى اساس استراتيجية شاملة للمنطقة، لا يمثل في الواقع خياراً استراتيجياً جديداً بالنسبة لايران طالما انه يركز على مطلب تخليها عن كل ما تملكه من اوراق ضاغطة على المصالح والوجود الغربي في المنطقة، من دون تقديم اي ضمانات حول حق ايران في امتلاك التكنولوجيا النووية. من المؤكد ان ايران لا تشعر ان ما يعرضه عليها بلير يشكل اساساً لشراكة فعلية وان الخيارالحقيقي هو ما بين الاستسلام والعزلة. اما بالنسبة الى سوريا فان الموقف البريطاني لا يختلف عن الموقف الاميركي، كما انه لا يمكن ان تكون له اي مبادرة خاصة، بل يبقى محكوماً بالتبعية لسياسة بوش الخارجية. لقد ظهر ذلك جلياً من خلال دفاع بلير عمّا اسماه الشراكة في «التحالف الاميركي - البريطاني» مؤكداً على ذلك بقوله «نحن بحاجة لاميركا، هذا هو الواقع». من هنا يبدو ان الحوار بين واشنطن وطهران ما زال مؤجلاً في ظل استمرار العقبة الكآداء التي يمثلها الملف النووي الايراني. ولا تبدو حظوظ الحوار بين واشنطن ودمشق هي بافضل حال في ظل غياب اي نيّة اميركية لاطلاق عملية السلام، وعدم رغبة سوريا في التجاوب مع المطالب الاميركية، «التعجيزية» من وجهة نظر دمشق طالما انها ستؤدي في حال التجاوب معها الى فك التحالف الاستراتيجي مع ايران من دون وجود اي ضمانة لامن النظام او لاستعادة هضبة الجولان. ستأتي دون شك لجنة بايكر - هاملتون بمجموعة من الاقتراحات، ولا يستبعد ان تتضمن دعوة لاشراك جيران العراق في البحث عن حلول لوقف التدهور ومساعدة السلطة العراقية على النهوض، ولكن من دون ان يتعارض ذلك مع السعي الاميركي المتواصل «للنصر». في خضم هذه التعقيدات التي تشهدها المنطقة يبدو الامل بعيداً في امكانية استعادة لبنان لاستقراره السياسي والامني، فهو مرشح ليكون «خط الاحتكاك» الساخن بين الطرفين الدولي والاقليمي، وهذا ما اشار اليه بوضوح قبل ايام الكلام الذي قاله مرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنئي للرئيس نبيه برّي لدى اجتماعه به في طهران.
نزار عبد القادر
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.