الحرب الأميركية تعود الى كوريا... دون إغفال خطط الهجوم على إيران
د. ماري ناصيف ـ الدبس
النداء 44
منذ بضع سنوات، بعد الحادي عشر من أيلول 2001، قسّمت الولايات المتحدة، تحت قيادة إدارة جورج بوش (الإبن) الأولى، العالم الى مجموعتين متنافرتين: مجموعة الأخيار ("الذين هم معنا") ومجموعة الأشرار ("الذين هم ضدنا"). وأدخلت هذه الإدارة العالم كله، من أقصاه الى أقصاه، في حروب سميت إستباقية واتخذ فيها شعار مكافحة الإرهات سبيلاً لغزو العالم ووضع اليد على ثرواته ومقدراته، بعد استعباد شعوبه. في المجموعة الثانية، مجموعة الأشرار، وتحت عنوان الإرهاب، حشرت إدارة بوش، الى جانب حلفائها السابقين في منظمة "القاعدة" ومجموعة "طالبان"، كل حركات المقاومة والتحرر في العالم، من أميركا اللاتينية الى أفريقيا والشرق الأوسط، وحتى بعض دول أوروبا وبعض مناطق جنوب شرقي آسيا وشمالها...
الحروب الإستباقية.... ودور الأمم المتحدة
وعلى أساس هذا التوزيع الجديد، الذي استبدل الخطر "الشيوعي" بخطر "الإرهاب"، والذي يصنّف المقاومة إرهاباً والمعارضين لمشاريع العولمة الأميركية إرهابيين، بدأت سلسلة الحروب الإستباقية (التي تجسد، اليوم، إرهاب الدولة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم) ضد الشعوب الفقيرة والمسحوقة من قبل حكام يديرون إستثمار خيرات الأرض لمصلحة البيت الأبيض لقاء بقائهم على العروش والكراسي. وبهدف توسيع رقعة الإنتشار الإقتصادي، المحمي بوجود عسكري مباشر، كولونيالي جديد، وضعت اليد، كاملة، على منظمة الأمم المتحدة. فتعطلت هذه المنظمة، إذ جرى إختصارها بمجلس الأمن الذي تحوّل، هو الآخر، الى مركز تجمع لدول، عظمى وغير عظمى، تساق بالعصى الأميركية نحو حروب إستعمارية جديدة أو متجددة. حروب تلعب فيها جيوش الدول العظمى الأخرى دور المرتزقة الذين ينفذون توجهات أسياد العالم الجدد (في البيت الأبيض وتكساس ونيويورك) لقاء اجر زهيد يتقاضاه مسؤولوهم من خلال بعض الحصص البترولية وصفقات الأسلحة والأسواق الإستهلاكية.... وهكذا، تحول العالم، بعد 11 أيلول 2001، الى سجن كبير، بدءاً بالولايات المتحـدة الأميركـية التي يرزح شــبعها، كـما شعوب العالم، تحت وطأة قوانين أمثال Patriotic Art''"، الذي يذكر بمحاكم التفتيش، وقانون تسهيل المحاكمات العسكرية (الذي وقع في 17 تشرين الأول 2006) لحماية وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وسجونها الطائرة من الملاحقة ولتسهيل المحاكمات العسكرية للمشتبه بهم في قضايا تندرج تحت خانة "الإرهاب" حسب التصنيف الأميركي. والى جانب تشديد الحصار على كوبا، وفنزويلا، مؤخراً، وتوسيع رقعة الإرهاب في أفغانستان والعراق (حيث يقتل العشرات يومياً)، وتدمير جزء من لبنان وقتل وجرح أكثر من ستة الآف من مواطنيه، تأتي التحضيرات، اليوم، عبر المناورات العسكرية في كوريا الجنوبية وحشد الأساطيل في البحر المتوسط وبحر العرب لتشير الى مغامرة عسكرية جديدة، دموية، قد ترتكبها إدارة بوش ضد كوريا الشمالية وإيران، بحجة سعيهما لإمتلاك السلاح النووي... في وقت سمح فيه لإسرائيل والباكستان بالحصول على هذا السلاح، بل تم تسهيل حصولهما عليه، كونهما كما يقول أركان الجمهوريين، القدماء والجدد، من هنري كيسنجر الى كونداليسا رايس، في الجبهة الأميركية التي "تسعى لإحلال الديمقراطية في العالم"، عبر نظرية "الفوضى البناءة". الحرب تنتقل الى شمال شرقي أسيا
ومن أجل تمرير المغامرة الجديدة بسلام، وبموافقة الدول العظمى (كما جرى في لقاء بطرسبرج في أول أيام العدوان على لبنان)، تمارس الإدارة الأميركية، حالياً، ضغوطاً على الصين وروسيا (عبر سياسة الترغيب خصوصاً) لحملها على الإبتعاد عن بيونغ يانغ وطهران، بينما تعمد الى دفع اليمين المتشدد في اليابان نحو المطالبة بإعادة تسليح بلاده، بما في ذلك بالسلاح النووي، بحجة "الدفاع عن النفس" في وجه الصين وكوريا. كل ذلك يتم في ظل سعي الولايات المتحدة الحثيث للإمساك بورقة كوريا الجنوبية كاملة، بعد إقصاء الرئيس الكوري كيم داي جونغ، الذي وضع أسس المصالحة بين الكوريتين منذ عدة أعوام، ودفع الحكم الجديد الى قرع طبول الحرب، بحجة أنها السبيل الوحيد للخلاص من الطاغية الذي يحكم بيونغ يانغ ويمنع الوصول الى وحدة الشعب الكوري والوطن الكوري الممزق. ولا ندري إذا كان إختيار الكوري الجنوبي بان كي مون خلفاً لكوفي أنان في الأمانة العامة للأمم المتحدة يأتي ضمن هذه الوجهة: أي تسهيل تفجير منطقة جديدة في العالم، هي شمال شرقي أسيا، في الوقت الذي تتردد فيد أصداء طبول الحرب، أيضاً، في المنطقة الممتدة من إيران وحتى لبنان، ضمن إعادة إطلاق المرحلة الثانية من مشروع الشرق الأوسط الموسع الجديد الذي يتلاقى، اليوم، على ما يبدو، مع مشروع للشرق الأقصى تحت القبضة الأميركية، وهو مشروع لا يكتفي بمنع إحتمالات التمدد الصيني الى مناطق نفوذ إقتصادية جديدة، بل يسعى أيضاً الى سحب أوراق استطاعت الصين أن تمتلكها بعد أن أعادت توحيد نفسها منذ بضع سنوات. وإذا ما أردنا تلخيص مرحلة السنوات العشر الماضية، قبل الحادي عشر من أيلول 2001 وبعده مباشرة، لوجدنا ان الحروب المسماة محدودة، أو مناطقية، او حتى أهلية، قد اتسعت رقعتها بمقدار اتساع مناطق انتشار القوات الأميركية والأطلسية وحليفاتها، في كل بقاع آسيا، إضافة الى الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وبعض المناطق التي تتوسط القارة الأفريقية بشكل عام. أما شعار هذه الحروب والنزاعات، فهي إما مستندة الى عصبيات قبلية أو طائفية أو عرقية. وكلها تقع ضمن خطة "الفوضى البناءة" التي أطاحت فعلياً بالإستقرار العالمي وجعلت من الإرهاب والقمع، والعنف بشكل عام، قضايا عادية جداً، الى درجة أن العالم (بإستثنائنا) لم يهتم كثيراً لما قاله جون بولتون، سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، في "رثاء" أطفال لبنان القتلى من أنهم أدنى مستوى من أطفال إسرائيل كما لم تستثره تصريحات كونداليسا رايس القائلة أن القتل والتدمير في لبنان يعبّر عن آلام المخاض لولادة شرق أوسط جديد... وما يثير المخاوف أكثر هو أن نبأ مقتل 655 ألف عراقي، منذ حرب بوش الأخيرة في العام 2003 وحتى الان، لم يثر أي ردات فعل تقريباً في العالم الغربي، المسمى ديمقراطي ومتحضر...
[b]تصدير الإرهاب الأميركي[/b]
"الحرب على الإرهاب"، إذاً، هي التي تضع العالم، اليوم، في عنق الزجاجة. فهي التي أدت الى ردات فعل على أفعال عدوانية، أميركية بالأساس، أو أطلسية وإسرائيلية رديفة في بعض الأحيان. ذلك ان "الفوضى البناءة" ليست سوى تصدير الإرهاب من بلد الى آخر بواسطة وكالة المخابرات الأميركية (CIA) أو الجنود الأميركيين او، حتى، ما يسمى بوكالة التنمية الأميركية (US AID) ... كونها تعمتد على نقل الحرب الى داخل البلدان والمناطق المقصود زعزعنها، فتفتتها الى مجموعات متناحرة، إعتماداً الى العصبيات التي تميز كل منطقة، بحيث تأخذ الحروب الدائرة أشكالاً مختلفة بإختلاف تلك العصبيات.... إنما تؤدي، كلها، الى النهاية ذاتها التي تتلخص بكلمة واحدة: تفكيك البنى الإجتماعية، ومن خلالها الدول القائمة، بهدف إعادة النظر بكل الحدود والعقبات التي وضت أو لا تزال توضع في وجه المشروع الأميركي للسيطرة على العالم بأسره. على هذا الأساس، كلن إحتلال جزء من كوريا وتقسيمها الى دولتين، وكذلك الصين في السابق. وعلى هذا الأساس، أيضاً، جرى مؤخراً تقسيم العراق. ويتم السعي لتفتيت لبنان وفلسطين ومصر والسودان، إمتداداً الى كل الحروب القبلية التي تتآكل أفريقيا السوداء كلها. إنه الوجود العدواني الأميركي، ومن ورائه التحالف الذي أقامه بتجميع كل عسكريتاريا العالم. هذا الوجود الذي أصبح يخنق كل الشعوب (وأولها الشعب الأميركي نفسه)، ليس فقط من خلال إنتشار، وتوسيع إنتشار القواعد العسكرية الأميركية، بحيث لم تبق سوى بضع دول خالية منها، بل وكذلك من خلال التمركز الأمني ـ الإستخباراتي الأميركي الذي اختار بعض الدول العظمى، حتى، مرتعاً لغرفة السوداء وطائراته الناقلة لفنون التعذيب وإنتهاك حقوق الإنسان. وإذا كان جورج بوش قد إعترف، في مقابلة تلفزيونية يوم الأربعاء الواقع فيه 18 تشرين الأول، وبعد وقت قصير على توقيعه قانون المحاكمات الجديد، أنّ الوضع في العراق اليوم شبيه بالأيام الأميركية الأخيرة في فيتنام، وإذا كان جايمس بيكر قد نصحه، بناء على تكليفه له، بتغيير سياسته في الشرق الأوسط، وبالتحديد تجاه العراق وإيران، إلا انه لا يزال يصرّ على المضي في نهجه، إن بالنسبة لتدمير العراق أم بالنسبة لتوجيه ضربة الى إيران. إن هذا النهج وذاك السلوك إنما يؤشران أن الإدارة الأميركية تعيش حالة من الهستيريا التي لم تعد تسمح لها بالتراجع أو بالإستماع الى أقرب المقربين لها الذين يسعون الى أخراجها من دوامة العنف التي أطلقتها. وهذا النهج وذاك السلوك أصبحا، بالتالي، يشكلان خطراً كبيراً على السلم العالمي ككل، وعلى منطقة الشرق الوسط بشكل خاص. الأمر الذي يتطلب الحفاظ على كل أشكال المقاومة وتطويرها ضمن خطة المواجهة الشاملة للمرحلة الجديدة من المشروع الأميركي الصهيوني الذي سيسعى، ليس فقط الى تفجير منطقة الخليج العربي مجدداً، بل كذلك الى الدفع باتجاه تصعيد المواجهة الفلسطينية ـ الفلسطينية واللبنانية ـ اللبنانية، مستفيداً من وجود ادوات داخلية في كلا البلدين يمكنها لعب دور المفجّر.
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.