إثر الاعتداء على مبنى العسيلي، انكب الوزير المعني الثاني على العمل لإيجاد تصور لحل جذري لهذا الموضوع الشائك، وفي لحظة اجتماع فيها ما تيسر من عبقرية وفكر ورؤيوية، صرخ: Eureka... كاميرات مراقبة في كل مكان.
اكتشاف أرخميدي من دون شك.
إن مراقبة مباشرة وتحليلاً شديد البساطة لما جرى في مدينة لندن، يؤكد عدم جدوى نظرية الوزير أحمد فتفت فيما يخص مراقبة الشوارع بواسطة الكاميرات. ففي عام 2003 وصل عدد كاميرات المراقبة في العاصمة البريطانية الى أكثر من ثلاثة ملايين هل منع ذلك وقوع الاعتداءات على القطارات عام 2004؟ كلا، مع العلم بأنها لم تكن عمليات انتحارية.
هذه المشكلة لا يمكن ان تحل بهذه الطريقة، ففي أحسن الأحوال هناك سيناريو واحد: يتم القبض على المعتدي في حين يبقى من المستحيل القبض على الاعتداء. وفي أسوأ الأحوال، هناك سيناريوهان متشابهان من حيث المبدأ: الأول، لا يتم القبض على المعتدي (ولا على الاعتداء، حكماً)، لأن الكاميرات لا يمكنها ان تراقب كل شيء كل الوقت ولأن المعتدي سيراقب الكاميرات لفترة تسبق الاعتداء وذلك لكي يمنعها من تصويره وبالتالي سيتوارى عن أنظارها في أثناء الاعتداء وعن أنظار العناصر الأمنية فيما بعد. وفي هذه الحالة ربما تستطيع الكاميرات بالصدفة، التقاط أولى مشاهد الاعتداء قبل بضعة دقائق من كاميرات الاعلاميين. أما السيناريو الثاني المشابه للأول من حيث النتيجة، أي عدم إلقاء القبض على المعتدي، وكذلك على الاعتداء، فهو العملية الانتحارية. وفي هذه الحالة النتيجة واضحة وعجز كل أجهزة العالم أمامها أوضح.
وهنا يمكننا ان نعرف لماذا ترجح لجنة التحقيق الدولية في عملية اغتيال الرئيس الحريري فرضية وجود انتحاري لتفسير عجز أجهزة التعطيل التي كان الموكب المستهدف مزوداً بها. ورب قائل ان في السيناريو الأول يوجد شيء من النجاح تحققه الأجهزة الأمنية في القبض على منفذ الاعتداء ولو بعد تنفيذ العملية. نعم، هذا صحيح ولكن من قال إن المعتدي يكترث لذلك ان المعتدي ينفذ اعتداءه بدافع عقائدي او سياسي في معظم الأحيان وليس بدافع السرقة، والمهم بالنسبة اليه هو النجاح في تنفيذ الاعتداء كما يجب او كما تفرض ظروف اللحظة الراهنة لا أكثر ولا أقل، وتأتي في الدرجة الثانية مسألة مصيره: اذا تمكن من الفرار، ممتاز. إذا قبض عليه، جيد جدا. اذا قُتل، جيد (يمكننا عكس التنويه في الحالتين الثانية والثالثة). بمعنى آخر، ما ان ينفذ المعتدي مخططه حتى يكون الاعتداء قد حقق نتائجه وهي بالتالي غير قابلة للتعديل، بخلاف حالات السرقة حيث ان أهمية نجاح الاعتداء هي بأهمية التمكن من الفرار مع الغلّة لأن نجاح الاعتداء يلغيه عدم النجاح بالفرار. هذه حسابات لا يدخل فيها المعتدي الذي ينوي فتفت <تفتيته>. يا أيها <الأخ الأكبر> الذي ينوي مراقبة تحركاتنا على مدار الساعة وتحويل حياتنا الى ما يشبه <تلفزيون الواقع>، يبدو أنك تحمست عندما قرأت رواية الكاتب الانكليزي جورج أورويل <1984>، ولم تنتبه ان فيها شيئا من المبالغة هدف الكاتب من خلالها الى رمزية تصور الحد الأقصى لما يمكن ان تمارسه الديكتاتوريات.
لقد وقع طوني بلير في شرك مواطنه وقريبه (أي أريك بلير، الاسم الأصلي لجورج أورويل) واعتقد انه يستطيع ان يصور بكاميراته ليس فقط تحركات الناس، وإنما عقولهم ونواياهم وقلوبهم ايضا. فإذا بها لا تصور سوى النار والدخان المتصاعد من الحافلات. ولم يكترث أحد للاتهامات والتوقيفات والتحقيقات. هذا لا يغير شيئا بالنسبة الى اللندنيين. هذا لا يغير سوى في سياسة بريطانيا تجاه الدولة التي ينتمي اليها منفذ الاعتداء، فقط.
إذاً الحل في لبنان ليس بسهر الكاميرات على أمننا ولا بالمعلوماتية وربط معلومات الأجهزة الأمنية ببعضها البعض. ان من ينتقد الحلول التي اقترحها وزير الداخلية بالوكالة، ويثبت علمياً وعملياً عدم جدواها وفاعليتها وجب عليه تقديم البديل. فما هو هذا الحل البديل إليك به. الحل البديل هو: ماذا تنتظر لكي تستقيل (أقولها بكل محبة... والله). ليس في الاستقالة ما يقلل من قيمتك ولا من مقامك. على العكس تماماً. إن في الاستقالة شجاعة ومروءة وهي تحصل في البلدان الأكثر تقدماً (كلبنان... كما ندعي) والأكثر تخلفا (كلبنان... كما هو الحال) عندما يتكرر الإخلال بالأمن خلال فترة تولي وزير الداخلية زمام مهامه. وفي بعض الأحيان يستقيل الوزير عند أول إخلال يحصل في عهده، اي قبل ان يتكرر، اذا شعر بأنه سوف يتكرر.
حل ثان: لا تستقل. ولكن، وبما ان سبب الاعتداءات ودوافعها هو سياسي بحت، ألم تلاحظ بعد بأن سياستك خاطئة (مع احترامي)، وأن تعديلاً طفيفاً (تعديل فقط وليس تغيير جذري) في خطوطها العريضة من شأنه ان يحل المشكلة بما أنك تقول إن الاعتداءات الأخيرة كانت تستهدف القوى الأمنية وأنك تلقيت تهديدات شخصية. خفف البهتان والأفك (ما الأفك وما أدراك ما الأفك). أقول ذلك بصدق حرصاً على حياتك وحياتنا، وحياتك قبل حياتنا، فاعذرني. هذه الحلول من شأنها ان تخلصك وتخلصنا وتوفر المال الضائع الذي سيصرف لتركيب الكاميرات، التي ربما ستصور، مما ستصور، ما يمكن ان يحدث مرة اخرى في الرمل العالي. إرخِ التصوير يا أخي، فماذا كنت ستفعل مثلا لو تم تصوير العناصر الأمنية التي قتلت الاطفال في الرمل العالي إحراج عنصر أمني يطلق النار في كادر وطفل يسقط مضرجا بدمائه في كادر آخر ماذا لو صوّرت احدى هذه الكاميرات اعتداءً للموساد أرادوا من خلاله توريط سوريا ألا يوجد موساد في لبنان بلى. ولماذا أتوا الى هنا للتزلج أم للاستجمام كلا.
في الختام، يجب التنويه بما توافق عليه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فيما يخص تركيب هذه الكاميرات بواسطة الألياف البصرية بدلا من الأقمار الصناعية (اي اقتراح الوزير فتفت) وإلا لأصبحت شوارعنا <كرم على درب> سارح في الفضاء الفسيح الذي لا نملك بالتأكيد تقنيات السيطرة عليه. لكني لم أستطع بالمقابل ان أخفي ابتسامتي لفكرة إمكانية إقامة حفل زفافي او ربما مراسم جنازتي في الشارع، مقابل عدسة احدى الكاميرات المتصلة فضائياً لو نجح الوزير باقتراحه، لعل الأقرباء والعالم كله يتمكنون من مشاهدة عريسهم في البدلة السوداء وربطة العنق الحمراء او فقيدهم في البدلة السوداء وربطة العنق السوداء... Live.