Full Version : شيعة لبنان: الهجرة من الحزبية إلى الطائفة - غسان الإمام
lebanon4all >>لبنان الشباب >>شيعة لبنان: الهجرة من الحزبية إلى الطائفة - غسان الإمام


<< Prev | Next >>

sawama- 10-24-2006
حملتني مهنة الصحافة إلى مكانين لم أكن أتوقع قط أن أعمل فيهما. كان الاشتباك الدامي بين المتظاهرين والقوات الفرنسية مشهدا مألوفا لديَّ في دمشق. لم أكن أتوقع وأنا صبي صغير آنذاك أنني سوف أقضي ثلاثين سنة في فرنسا، هي أكثر من نصف عمري الصحافي.

وها هي ضاحية بيروت الجنوبية تقفز إلى واجهة الأنباء والأحداث تحت القصف الإسرائيلي المدمر. تذكرت أني قضيت ثلاث سنين في أحيائها. فقد انتقلت صحيفة كنت أعمل فيها من حي «رأس النبع» في قلب بيروت السنية إلى هذه الضاحية الشيعية.

أحياء بئر العبد وحريك والسلم والغبيري... ليست بغريبة عني. تذكرت أني أعرفها حيا حيا. كان هؤلاء الشيعة الريفيون القادمون إلى حياة المدينة من ريف البقاع والجنوب أناسا بسطاء طيبين جادين، لولا صخب أطفالهم الكثر. لا شك أن الأطفال قد كبروا. ربما باتوا محازبين ومقاتلين في «حزب الله».

لا أنسى البقال السمين الطيب. كان أبو علي يصر على إعداد الطعام لي عندما يشتد قصف الضاحية خلال الحرب الأهلية. كان أبو علي أو أحد أبنائه يحمل الطعام إليَّ في مكتبي. عندما قصفت منظمة «الصاعقة» مبنى الصحيفة الضخم، قفزنا منه إلى مبنى مجاور. عندما خرجت سالما كان أبو علي أمامي.

أصر على أن يأخذني إلى بيته القريب، لأتناول العشاء مع أسرته.

لم يعش أبو علي ليشهد ويعيش آلام القصف الإسرائيلي الحالي للضاحية.

نجوت أنا، ومات أبو علي في الحرب الأهلية.

استقرت قنبلة هاون في متجره. مزقته اربا.

شيعة لبنان مكتوب عليهم «قلة الراحة»، كما يقول مواطنوهم وجيرانهم الدروز. هم عرب أقحاح تخالطهم بالزواج قلة من دماء عراقية وفارسية، لكن ثقافتهم وتقاليدهم عربية. عاشوا قرونا في فقر مدقع. كان إقطاعيوهم قساة عليهم. هم يتناقلون رواية تزعم أن آباءهم الفلاحين ذهبوا إلى زعيم الجنوب الإقطاعي أحمد الأسعد يسألونه فتح مدرسة لأبنائهم. كان الرد: ولماذا المدرسةlebanon4all/estefham.giflebanon4all/ta3ajub.gif ألا يكفيكم أن البيك كامل يدرس ويتعلمlebanon4all/estefham.gif كان يقصد نجله الذي أصبح يوما رئيسا لمجلس النواب، قبل أن يطويه، هو وأبوه، عصر شيعي آخر.

عرفت أنا البيك أحمد الأسعد. كنت أشاهده غالبا في عصر الوحدة مع مصر، منتظرا في مكتب عبد الحميد السراج في سراي دمشق القديم. كان الزعيم الإقطاعي الكبير ناصريا. لم يكن ابنه كامل كذلك، لكن جيل الخمسينات والستينات الشيعي في لبنان كان حزبيا. فقد حشت الأحزاب والمنظمات اليسارية القومية والماركسية قواعدها بشباب الشيعة.

في عام 1959، ظهر فجأة في لبنان زعيم روحي شيعي. كان موسى الصدر آنذاك شابا في الثانية والثلاثين.

الطلعة البهية بالعباءة السوداء تخدم وهج جاذبية الزعامة. بسطة سخية في الطول. وسامة مشرقة في الوجه. ولم يكن «السيد» يجد حرجا في عربيته المطعمة بلكنة فارسية ثقيلة. فلزعماء الشيعة مكانة دينية جليلة تغطي على كل الهنات.

كان موسى الصدر لغزا شديد الغموض. هو مولود في قم من أسرة دينية وسياسية ذات أصول لبنانية وعراقية وفارسية. لكن من دفع «السيد» من إيران الى لبنانlebanon4all/estefham.giflebanon4all/ta3ajub.gif أهو الشاة أم المؤسسة الدينية الإيرانيةlebanon4all/estefham.gif

سواء كان الدافع المؤسسة الشاهنشاهية أو الدينية، فقد كان الغرض واضحا: مهمة الصدر سحب أجيال الشيعة من الأحزاب السياسية اليسارية والقومية، وإعادتها إلى بيت الطائفة، بل وربما إلى البيت الفارسي المتضايق من ولاء شيعة لبنان العروبي.

كان ظهور «السيد» لغزا، وكان اختفاؤه لغزا. لم يلق الصدر في السنوات العشر الأولى من ظهوره (59/1969) نجاحا كبيرا في مهمته. كانت الحزبية السياسية متمكنة وراسخة في عقل وقلب الجيل الشيعي الشاب آنذاك. بل كنت ألحظ وألمس نقمة عارمة عليه بين شباب ذلك الجيل ومثقفيه.

غير أن الصدر ما لبث أن حقق اختراقا يُذكر في السبعينات. ساعدته على ذلك جملة عوامل أهمها: جاذبيته الشخصية لدى جمهور الشيعة. تجاوزات الفصائل الفلسطينية المسلحة على شيعة الجنوب. حرمان الشيعة من كعكة السلطة التي استأثرت بها الطاُئفة المارونية وشريكتها الأصغر الطائفة السنية. بوادر الحرب الأهلية التي تمثلت بتشكل ميليشيات ومنظمات مسلحة في الطوائف الأخرى.

لم يكن الصدر ضد العصر. كان منطقه بسيطا للغاية. كانت دعوته ذكية وهادئة، وتتلخص بالتخلي عن الحزبية التي أرهقت، في رأيه، الشيعة وفرقتهم، ووزعتهم شيعا على أحزاب الايديولوجيا، من دون أية فائدة تذكر. ودعم «السيد» دعوته بإنشاء مرجعية دينية لحركته (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى). وعندما انفجرت الحرب الأهلية (1975) أنشأ منظمة «أمل» كذراع سياسية له، وكميليشيا طائفية مسلحة.

وجد الصدر في الدخول السوري إلى لبنان (1976) دعما قويا له. أيد الصدر بحماسة وثيقة الأسد «الدستورية» الداعية إلى إحداث توازن سياسي وسلطوي أكثر عدلا ومساواة بين الطوائف الرئيسية الثلاث (الموارنة. السنة. الشيعة)، فيما كان كمال جنبلاط على رأس القوى اليسارية والفلسطينية، في رفض الوثيقة ومع الاستمرار في الحرب.

لم يحارب الصدر. بل صام معتصما في المسجد ضد الحرب. مد يديه إلى المسيحيين المتورطين في الحرب مسالماً. كان في ذلك أيضاً مسايرا للسياسة السورية الهادفة إلى وقف الحرب. ولم تكن التنظيمات المسيحية السياسية والمسلحة قد تحولت، بعد، عن سورية إلى التحالف مع إسرائيل.

دفع كمال جنبلاط حياته (1977) ثمنا لرفضه «الوثيقة الدستورية» ولترجيحه المضي في الحرب. وفي العام التالي، دفع موسى الصدر حياته ثمنا لسبب معاكس تماما، ثمنا لتأييده «الوثيقة الدستورية»، وقبل كل ذلك لنجاحه النسبي في وقف مسيرة الشيعة نحو الحزبية السياسية، وللعودة بها إلى حضن الطائفية.

كان الغضب الفلسطيني واليساري اللبناني عارما على الصدر. وشارك في هذا الغضب جيل الخمسينات والستينات الشيعي الذي سيسته وأدلجته الأحزاب اليسارية والقومية. وأَجَّجَ هذا الغضب فقدانُ كمال جنبلاط الذي كان يمثل القاسم المشترك بين جميع هذه الفئات.

غالب الاعتقاد أن موسى الصدر كان ضحية الحرب الباردة. كانت الشيوعية العالمية والتنظيمات الفلسطينية واليسار اللبناني ترى في الصدر «الخطر الأكبر» عليها في لبنان. من هنا، أعد المسرح الليبي لإسدال الستار قسرا على «السيد». ليبيا تنفي زيارة الصدر لها التي اختفى فيها. لكن صديقي وزميلي عباس بدر الدين، وكان أحد الناطقين الصحافيين باسم الصدر، كان قد اتصل بي في باريس، ليبلغني انه ذاهب مع «السيد» إلى ليبيا، وأكد لي أنه سيعود من هناك لزيارتي في باريس، الأمر الذي يثبت واقعة اختفائه مع الصدر في الأراضي الليبية.

اختفى الصدر (1978) لكن هدفه تحقق بنجاح كبير. فقد سار جيل الثمانينات والتسعينات الشيعي نهائيا من الحزبية إلى الطائفية. وتعاونت منظمة الصدر «أمل» مع «حزب الله» وإيران الخميني، في تحقيق هذا التحول.

في سلسلة مقالات عن شيعة لبنان، أقدم تفسيرا وإيضاحا للجذور والأسباب التاريخية للأحداث الخطيرة الراهنة التي سيكون لها انعكاسات عميقة على مجرى السياسة والأوضاع في لبنان والعالم العربي.

--------------------

- المصدر : الشرق الأوسط اللندنية 8/8/2006



Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.