Full Version : خمس سنوات من «الحرب على الإرهاب» / واقعٌ عالميٌّ جديد - ترجمة: سمير .م. أبو شقرا - مجلة: الشاهد
lebanon4all >>العرب والعالم >>خمس سنوات من «الحرب على الإرهاب» / واقعٌ عالميٌّ جديد - ترجمة: سمير .م. أبو شقرا - مجلة: الشاهد


<< Prev | Next >>

sawama- 10-19-2006
خمس سنوات من «الحرب على الإرهاب»... واقعٌ عالميٌّ جديد: نزاعات، تجارة، بيئة.

الأعراض: في حين يتوقع أنّ دورها هو إدارة العلاقات الدوليّة، تعجز الأمم المتحدة عن تشكيل قوّة فصلٍ في لبنان، طالما أنّ السياسة التي أطلقتها واشنطن وحلفاؤها عبر «الحرب على الإرهاب» تؤجّج النزاعات؛ من ناحيتها، تضع إيران تحدّياً أمام مجلس الأمن عندما تدعوه إلى «مفاوضات جديّة» حول الملف النوويّ. وهكذا يصبح العالم كلّ يومٍ أكثر غموضاً وهشاشة. ويظهر لاعبون جدد خاصّةً في آسيا كما تبرز أسئلة أكثر إلحاحاً: انعدام العدالة الاجتماعية، الفقر، موجات الهجرة، التجارة والبيئة. وهكذا فإنّ مسار ما سمّيَ بالعولمة قد أخذ اليوم منعطفاً جديداً.

حرائقٌ صيفيّةٌ مأساويّة تتأجّج نتيجة الاشتعال المستمرّ لأقدم صراعٍ تشهده الكرة الأرضية. إذ تشهد المواجهات الأخيرة في غزّة ولبنان، بطريقتها، على ميّزات الواقع العالميّ الجديد، هذا بعد خمسة أعوامٍ على أحداث 11 أيلول/سبتمبر. نستعرض هنا من خلال أربع ملاحظاتٍ عامّة وعشرة اعتبارات مُختَصَرة، بعض العناصر التوجيهيّة المتواضعة، التي يُمكن أن نستخلصها من الأوضاع الحاليّة والتي يمكن أن تساعدنا على رسم خريطة لطريقٍ واضحة داخل سراديب المُستجدّات الراهنة.

الملاحظة العامّة الأولى
. يبدو أنّ الظاهرة الأساسيّة لعصرنا هذا، ألا وهي الشموليّة والعولمة الاقتصادية، لم تؤثّر مباشرةً على هذه المواجهات الشرق أوسطية، إن لجهة إثارتها أو تغذيتها أو تهدئتها. ويؤكّد هذا الأمر على المسلّمتيْن التاليتيْن: الطابع القديم لهذه الحرب التي تتداخل فيها، كما في القرن التاسع عشر، خلافاتٌ حول الأراضي، وتشنّجات وطنيّة وانفعالات دينية؛ وخطأ الأيدلوجيا اللّيبيرالية باعتقادها أنّ ارتفاع عمليّات التبادل التجاري وحده كفيلٌ بتحقيق السلام.

الملاحظة العامّة الثانية
. وجود الشرق الأوسط مرّةً أخرى تحت أضواء وسائل الإعلام، لا يجب أن يُنسينا الأهمّية الإستراتيجية لقارّة آسيا، الذي يرتهن بها مصير القرن الواحد والعشرين بشكلٍ كبير. وذلك بفعل الحجم المتزايد للمارديْن الآسيويّيْن، الهند والصين. ونظراً إلى خطر المواجهات الذي لا يُستَهان به بين كلٍّ من الصين وتايوان، بين كوريا الشمالية واليابان، وبين الهند وباكستان... كما يجب ألاّ يًستَهان بأمر أفريقيا وراء الصحراء، حيث تتراكم المشاكل على كافّة أنواعها (ومنها مشكلة الفقر المدقع والمهاجرين غير الشرعيين)، ولا بدّ من أن تنفجر هذه المعضلات في نهاية المطاف بوجه الدول الغنيّة.

الملاحظة العامّة الثالثة
. لقد عادت الحرب النوويّة لتشكل أحد الخطريْن الكبيريْن اللّذيْن يهدّدان العالم اليوم (الثاني هو الكارثة البيئيّة). إذ تملك إسرائيل، التي وجدت صعوبةً خلال المواجهات الأخيرة في فرض نفسها بشكلٍ واضحٍ عبر الوسائل العسكريّة التقليديّة، أسلحة نوويّة، كما أنّها لم تلتزم بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النوويّة، على غرار دولتيْن نوويّتيْن منافستيْن لها: باكستان والهند. وليس بعيداً عن هذه الساحة، هنالك ثلاث قوى نوويّة مورّطة عسكريّاً تتعرّض للخيبة: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا. الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق وأفغانستان وروسيا في الشيشان. علاوة على ذلك، إنّ أهمّ تحالف عسكري، ألا وهو حلف شمال الأطلسي الذي تنتمي إليه فرنسا (هي أيضاً قوّة نوويّة)، يحارب هو أيضاً في أفغانستان.
وبالرّغم من أنّ مخاطر التصادم النوويّ موجودةٌ في أماكنٍ أخرى - في شبه الجزيرة الكوريّة وفي مضيق تايوان [1] ، إلاّ أنّ المنطقة الممتدّة من حدود الهند الغربيّة وصولاً إلى قناة السويس تحتوي على الترسانة الأكثر تدميراً على مرّ الأزمنة. إذ أنّ كافة القوى العظمى، باستثناء الصين، فعّالةٌ عسكرياً داخل هذه المنطقة. فشرارة واحدة قادرة على إحداث الانفجار... لذا تتطلّب إدارة الأزمات التي تعاقبتْ عليها، خبرةً دبلوماسيّة وحدها الأمم المتحدة تملك مفتاحها. لكن كما تبرهن في لبنان مؤخّراً: لا تزال منظّمة الأمم المتحدة، وفق شكلها الحالي، في الوقت نفسه ضروريّةً وعاجزة بشكلٍ محبط، أمام القضايا الكبرى المطروحة حالياً. أمّا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي اختبر تاريخاً طويلاً من الكوارث الحربيّة، فقد يشكّل الوسيط الأفضل... لو أنه لمّا يزلْ قزماً سياسياً.

الملاحظة العامّة الرابعة
. من أجل فهم الإستراتيجية التي يُعمَل بها اليوم، يجدر التمييز بين المسارح الثلاثة التي سيتحدَّد ضمنها مصيرنا:

العسكريّ، حيث تسيطر الدول القومية التي يتحكّم بها عامل الأرض ودورات انتخابية قصيرة (ما يجعلها قادرة، بشكلٍ محدود، على التطرّق إلى مشاكل طويلة الأمد أو على مستوى الكرة الأرضية). وحيث أنّ هيمنة الولايات المتحدة كاملة، كذلك إرادتها بفرض عالمٍ أحاديّ القطب.

الاقتصاديّ والتجاريّ، حيث تُطبَّق بأقصى سرعة مناهج العولمة، تلك التي يحدّدها كلّ من المصرف الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ ومنظّمة التجارة العالميّة... وحيث تسيطر الشركات الخاصّة والمصالح الماليّة وسط مضاعفة لعمليّات التبادل، ما يكشف عن رؤيةٍ لعالم متعدّد الأقطاب.

البيئيّ والاجتماعيّ، حيث تتكدّس المشاكل على ثلاثة مستويات. على مستوى البيئة (تغيّر المناخ، تسخّن الأرض، التلوّث، نزع الغابات، مياه الشفة، التنوّع الحيويّ). على مستوى الحاجة إلى قواعدٍ دوليّة جديدة (لمحاربة ظلم النظام الدولي، من أجل إدارة حركات الهجرة، واستخدام الأجسام المعدَّلة جينياً، والملكيّة الثقافية، والأبحاث في علم الوراثة، والتهرّب الضرائبيّ، وأشكال الجنوح المُعاصرة). وأخيراً على مستوى مصير شعوب الأرض (أفريقيا، الأوبئة، الفقر، الفجوة الرقمية، المدن المكتظّة، الجوع، التعليم، العمل، الكوارث الطبيعية)... وهنا يسيطر الفقراء والاضطرابات والبؤس والفوضى.
تبقى المفاصل بين هذه المسارح الثلاثة اعتباطيّة. فغالباً ما تكون واضحة، وأحياناً غير موجودة، وفي بعض الأحيان الأخرى غامضة.
عدا تلك الملاحظات العامّة، يمكن استخلاص بعض الاعتبارات الحذرة من التصادم الأخير في الشرق الأوسط.

الاعتبار الأوّل
. يؤكّد هذا الاشتعال الجديد على ثابتٍ على مستوى الجغرافيا السياسيّة: إنّ هذه المنطقة القابلة للاشتعال تشكّل فعلاً، منذ حرب الخليج في العام 1991، مركزاً لـ"نواة الاضطراب العالمية" الحالية. فمنذ عام 1914 وحتى نهاية الحرب الباردة، كانت هذه النواة متواجدة في أوروبا. لكنّها اليوم باتتْ تشمل مساحةً جغرافيّة يسيطر فيها الدين الإسلامي، وتتمركز فيها، من باكستان وصولاً إلى مصر، غالبيّة المواجهات المعاصرة الكبرى: كشمير، أفغانستان، الشيشان، القوقاز، كردستان، العراق، لبنان، فلسطين، الصومال، دارفور...
كما تحوي هذه المنطقة نزاعات دوليّة قويّة: خلافات بين الباكستان والهند حول كشمير؛ تهديدات على إيران المُتَّهَمة بالعمل للحصول على السلاح النوويّ، الضغوط التي تمارسها روسيا في منطقة القوقاز، مخاوف تركيا إزاء الكردستان العراقي، خلافات عديدة حول التحكّم بمياه المجاري والأنهار، ومطامع يحرّكها وجود احتياطات النفط الأساسيّة وسط مثلّثٍ شاسعٍ يحدّه كلّ من الخليج وإيران والبحر الأسود.

الاعتبار الثاني
. إذا كان حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها غير قابلٍ للنقاش، فمُغالاتها في العقوبات التي أنزلتْها بالمدنيّين الفلسطينيّين واللبنانيّين لا تُترجِم، مفارقةً، سوى نوعٍ من العجز المجنون. لسببٍ بسيطٍ بدأ الأميركيّون نفسهم بإدراكه، وهو ما عبّر عنه الرئيس السابق بيل كلينتون كما يلي: «لا نستطيع أن نقتل كافّة أعدائنا» [2]وأعداء إسرائيل في المنطقة كُثُر، وفي حربٍ غير متوازية كهذه، التفوّق العسكريّ الساحق لا يضمن أبداً النصر؛ هذا ما سيختبره الأميركيّون بمرارة. وتخشى وزيرة الخارجية السابقة، مادلين أولبرايت، أن «يتحوّل العراق إلى أسوأ كوارثنا منذ فيتنام» [3]
ولا يساعد اللجوء إلى الاحتراب المُفرَط الذي مرّ عليه الزمن، على الاقتراب من الحلّ السياسي، طالما لم يتمّ تحقيق السلام، وهو الضمانة الوحيدة لأمن إسرائيل. والسلام يتطلّب دائماً مفاوضات مع العدوّ.

الاعتبار الثالث
. تبدو الجبهة الإعلامية مصيريّة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. لكنّ إطار المعلومات قد تحوّل. فقد اتّضح بأنّ الاستهداف الإسرائيليّ للمحطات الكهربائيّة والمرابط الهاتفيّة ومحطّات التلفزة (محطّة "المنار [4] خصوصاً)، لجعل نظام الاتصالات التابع لعدوّها أعمىً وأصمّ وأخرس، أمرٌ غير مُجدٍ.
فقد أصبحت الهواتف المحمولة والكاميرات المُصغّرة والصفحات الإلكترونية الخاصّة بالمقاتلين أو بشهود عيانٍ على الإنترنت، تسمح ببثٍّ شاملٍ عالميّ وشبه مباشر لصور تكشف الحقيقة وتأتي بالإدانة. فمهما كان القصف عنيفاً، فهو غير قادرٍ على تدمير شبكات الإنترنت المصمّمة لمقاومة السلاح النووي. هنا أيضاً، يبدو أنّ الإسرائيليّين لم يتعلّموا درساً من خيبة الأمل الأميركيّة في العراق، بعد بثّ مشاهد من سجن أبو غريب وغير ذلك من شهادات مُرعِبة، ولا من انهيار صورة الولايات المتحدة في نظر الرأي العام العالمي [5] .

الاعتبار الرابع
. إنّ الديمقراطية التي تؤكّد واشنطن عزمها على نشرها في كلّ مكان [6] ، لا تشكّل، في هذه المنطقة، بأيّ شكلٍ من الأشكال، درعاً حامياً من هجمات إسرائيل التي هي بنفسها دولة ديمقراطيّة... فبعد أن أخذها الفلسطينيّون على كلامها حرفيّاً عبر انتخاب حركة حماس، وهم المواطنون العرب الوحيدون في الشرق الأوسط - مع اللبنانيين- الذين أجروا انتخابات ديمقراطية، في كانون الثاني/يناير 2006، أغمضت إدارة الرئيس بوش عينيْها وفتحت المجال كي تتم تصفية الديمقراطيّين (السيّئين) وسجن نوّابهم في غزّة. وكما يذكّر ويليام بفاف: [7] «إنّ العمليّة التي تقتل خمسة متمرّدين لها تأثيرات مُعاكسة، في حال ترتّب عنها تجنيد خمسين متمرّداً جديداً». وهكذا في نهاية المطاف، يخلق العنف ما يسمّيه ماو تسي تونغ بـ«البحر الذي يسبح فيه الثوّار»؛ وكما في فلسطين ولبنان، وفي كافّة أرجاء «نواة الاضطراب»، تشهد الحركات الإسلاميّة الراديكاليّة توسّعاً. فوفق كافّة مركّباتها، وعلى الرّغم من كافّة التحفّظات التي قد تثيرها، إنّها تشكّل القوّة السياسية الأساسية التي تقاوم بالسلاح الهيمنة الإمبريالية للولايات المتحدة؛ وبما أنّه عقيدة خلاصيّة يستعدّ مناضلوها للتضحية بحياتهم من أجل ضمان انتصارها القادم، يقوم الإسلام الراديكالي جزئيّاً بالدور التي أخذته مثلاُ الفوضويّة أو الشيوعيّة في القرنيْن التاسع عشر والعشرين. حتّى لو كانت هذه المقارنة مصدر صدمةٍ للبعض...
وفي الوقت الذي يتراجع فيه العنف السياسي في أماكن أخرى [8] ، نجد التيّار السلفيّ يتقدّم نحو النجاح في كلٍّ من أفغانستان، حيث عادت حركة طالبان ووضعت قوات حلف شمال الأطلسي في وضعٍ دفاعيّ، وفي الصومال والعراق وفلسطين ولبنان.

الاعتبار الخامس
. إنّ سلطة المنظّمات غير الحكوميّة تتوسّع أكثر فأكثر، خصوصاً تلك التي تكتسي طابعاً إنسانيّاً وبيئيّاً واجتماعيّاً أو قضائيّاً، المُسيَّرَة أحياناً والتي لا تتمتّع دائماً بالنزاهة، لكن، داخل نواة الاضطراب، تكثر بشكل خاصّ المنظّمات غير الحكوميّة المسلّحة التي تلعب دوراً حاسماً وسط التناقضات العديدة، ويشهد على ذلك الهجوم العسكري المّفاجئ الذي قام به الفرع المسلّح من حركة حماس في غزّة، في 25 حزيران/ يونيو، وذلك الذي أقدم عليه مقاتلو حزب الله في لبنان، في 12 تموز/ يوليو، الذي أدى إلى الردّ الإسرائيلي.
مع ملاحظة أنّه في مكانٍ ما في تلك المنطقة، يتواجد مركز قيادة «العدوّ رقم 1» للولايات المتحدة، وهو منظّمة القاعدة الإسلامية المُسلّحة بقيادة أسامة بن لادن، التي أعلنت مسؤوليّتها عن اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001 والتي شنّت واشنطن لمواجهتها ما يُعرف اليوم بـ «الحرب التي لا نهاية لها في مواجهة الإرهاب الدولي».

الاعتبار السادس
. بالفعل، أدخلتنا أحداث 11 أيلول/سبتمبر هذه في حقبة جديدة، بعد أن اعتبر الرئيس الأميركي جورج بوش ومحيطه أنّ الذعر الجماعي الذي أثارتْه هذه المصيبة يعطيهم أخيراً ورقةً بيضاء لتطبيق هذيان جغراسي قديم.
فلنذكّرْ هنا بثلاثة منها: المُطالبة بالدور «الإمبريالي» للولايات المتحدة في تسيير شؤون العالم؛ واعتبار أيّ حركة مقاومة وطنيّة (منها حركتا حماس وحزب الله) «إرهاباً»؛ وتخصيص الأولويّة للمراقبة المُعمَّمَة على المواطنين على حساب حرّياتهم.
باسم هذه العقيدة المتكاملة، سُمح لوكالة الـ «سي أي آي» وسواها من أجهزة المخابرات بـ"تصفية" مشتبه بهم أو اعتقالهم في أيّ مكانٍ كان لاقتيادهم إلى سجونٍ سرّية. وبالرغم من اتفاقيات جنيف وخارج أيّ إطارٍ قضائيّ، تمّ إنشاء سجن غوانتانامو المُخصَّص لسجن وإذلال أشخاصٍ يُشتبَه بارتباطهم بمنظّمة القاعدة...
على قاعدة الأكاذيب (وفي الحقيقة من أجل وضع اليد على النفط)، تمّ اجتياح العراق الذي لم يكنْ له أيّة علاقة باعتداءات 11 أيلول/سبتمبر ولم يكن يملك أيّ «سلاحٍ للدمار الشامل»، وبمبادرة على طريقة الرئيس ويلسون، أعلنت واشنطن عن استعدادها لإعادة رسم «الشرق الأوسط الكبير»... ليس أقلّ من ذلك.
نعرف ما كان مصير هذه الطموحات العبثيّة، فلقد أصبح العالم اليوم أكثر خطورة. ومن المحتمل جداً حصول اعتداءٍ ضخمٍ جديد. أمّا بالنسبة إلى الآليّة العسكريّة المُخيفة، فها هي متورّطة في العراق حيث وقعتْ في فخّ حربٍ غير مُتوازية خاسرة، وحالَ بها الأمر هي أيضاً إلى ممارسة أو تغطية الفظائع (قتل المدنيّين، المجازر، التعذيبات المنهجيّة) [9] التي كانت تدّعي أنّها ألغتها نهائيّاً منذ خيبة فيتنام كُشِفَت [10] .
أمّّا الفشل السياسيّ فهو أكثر ذهولاً . فبفضل التدخّلات الأميركية، تخلّصت إيران، وهي العدوّ الإقليمي الأساسي للولايات المتحدة، من خصمين على حدودها: نظام طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق [11]، ولجأتْ طهران إلى التسلّح للدفاع عن نفسها؛ من جهةٍ أخرى، وفي حين كانت واشنطن تركّز اهتمامها على هذه المنطقة، استفاد خصومها القدامى في أميركا اللاتينية، حديقتها الخلفيّة الخاصّة، من أجل الوصول ديمقراطياً إلى السلطة، في كلٍّ من فنزويلا، البرازيل، الأرجنتين، الأوروغواي، تشيلي، بنما، جمهوريّة الدومينيكان، بوليفيا... اجتياحٌ زهريّ أو أحمر اللّون لا سابق له، أدّى، إضافةً إلى ذلك، إلى تعزيز طبيعيّ لموقع كوبا والسيّد فيديل كاسترو.
خلال تلك الأعوام، اعتقد السيّد بوش أنه قادرٌ على ربط كافّة مشاكل العالم بالإرهاب ومعالجة هذا الأخير بالقمع العسكريّ فقط... كان مُخطئاً، فقد داس على مبادئٍ كثيرة وخرق قوانين عديدة لدرجة أنّ نعوم تشومسكي توصّل إلى الكلام عن «الإدارة الأخطر في تاريخ أميركا»، ولم يتردّد عن وصف بلده بـ «أوّل دولة إرهابيّة» في العالم [12].

الاعتبار السابع
. حرب العراق مُكلِفة جداً، ففي العام 2005 بلغت النفقات العسكرية للولايات المتحدة 500 مليار دولار [13]، أي ما يساوي مجموع نفقات باقي دول العالم، إنّه مبلغٌ هائل؛ خصوصاً أنه، نتيجة العولمة، لم يعد نظام الولايات المتحدة الاقتصادي يرتكز فقط على قدرتها التصنيعيّة بل على الاستهلاك، وهكذا تعمل أميركا كمضخّة للأموال، من خلال استيراد رأس المال بمقدار 700 إلى 800 مليار دولار سنوياً. ويموّل رأس المال هذا استهلاك المنتوجات المُستورَدة.
يخلق هذا المقدار لضخّ المال العالمي المتوفّر وضعاً لا يُحتَمَل، فالعجز التجاري الأميركي يضغط على الأموال الدوليّة، على حساب التسبّب بانخفاض الدولار وارتفاع نسبة الفوائد وانهيار البورصات [14] وركود اقتصادي عالمي، وهذه هي إحدى المشاكل الأساسيّة (المحجوبة) اليوم.

الاعتبار الثامن
. إنّ العجز الأميركي، المُقدَّر بـ 700 مليار دولار، يصبّ في مصلحة الدول التي تحتوي على يدٍ عاملة رخيصة وفي طليعتها الصين [15] ، لكن أيضاً غيرها من الدول الصاعدة (الهند، كوريا الجنوبية، تايوان،البرازيل،المكسيك)التي بدأ توسّعها الاقتصادي يُقلق القوى المُسيطرة، لا سيّما أنّ أسعار الموادّ الأوّلية (ومنها أسعار النفط) تشتعل، الأمر الذي يدرّ بمنفعةً كبيرة على كلّ من روسيا وقازاخستان وفنزويلا وتشيلي والجزائر...
أصبحت منافسة شركات تلك الدول أكثر خطورةً، فقد أصبح هنالك 25 شركة شاملة متعدّدة الجنسيّات في دول الجنوب، وقريباً سيبلغ عددها المئة، وستتضاعف عروض الشراء المُذهلة، كتلك التي رفضت بعد أن عرضتْها شركة النفط الصينيّة ناشيونال أوفشور أويل، على الأميركيّة يونوكال، أو تلك التي نجحت والتي عرضتْها شركة الحديد الهنديّة ميتال ستيل على الأوروبية أرسولور [16].
يمكننا بالتالي المُراهنة على أنّ العولمة قد قاربتْ من مرحلة نهاية الدورة، فقد تهدّد، وفقاً لقوّة اندفاعها الحالي، سيطرة القوى القديمة التي لطالما كانت مُهيمِنة، لذا لم يعد من المُستبعَد الدخول في مرحلة جديدة من السياسات الحمائيّة.

الاعتبار التاسع
. لقد أدّت المعارك بين إسرائيل ولبنان إلى النزوح المُرغَم لحوالي 1,2 مليون شخص (000 900 لبناني و000 300 إسرائيلي). هذا النزوح الذي تسبّبه الحرب هو ظرفيّ، لكن وفي المقابل، إنّ الهجرة العالميّة لليد العاملة عميقة وبنيوية، وهي تطال 175 مليون شخص، ذلك أنّه بسبب أرباح الإنتاجيّة، بإمكان النموّ الاقتصادي، عند وجوده، أن يحقّق الثراء لكن ليس عدداً كافياً من الوظائف. حتى الصين التي تتمتّع بمعدّل نموٍّ يقارب الـ 9 بالمئة، تخلق حوالي عشرة ملايين فرصة عمل سنوياً، أي أقلّ بمرّتيْن من عدد الأشخاص الذين يدخلون إلى سوق العمل [17] ...
يجب إذاً على الباقين تقبّل الفقر أو الهجرة، لكن سرّاً. لأنّه، كما يلاحظ المؤرّخ إيريك هوبسباوم، «يشجّع اقتصاد السوق التنقّل الحرّ لكافّة الوسائل الإنتاجيّة، باستثناء اليد العاملة التي تبقى خاضعةً بشكلٍ واسعٍ لمراقبة الدولة» [18]. وتحاول زُمرٌ من الأشخاص، غالبيّتهم شبابٌ وبصحّةٍ جيّدة، الدخول إلى الجزر الصغيرة المُزدهرة النادرة في العالم، مُعرِّضين حياتهم للخطر (رأينا ذلك في مليلة ونراه اليوم في جزر الكاناري). أكثر من عشرين مليون شخص من بينهم نجحوا في تحقيق ذلك في الولايات المتحدة [19]، حيث بات يتمّ التعامل مع الأشخاص المُقيمين بصورة غير شرعيّة وفق اصطلاحات الأمن القومي، كما هو الأمر في أوروبا. لكن قنبلة الهجرة غير الشرعيّة لم تنفجر بعد. وهذه المأساة الإنسانيّة الكبيرة ستعرّض كافّة المجتمعات المتطوّرة لمحنةٍ قاسية.

الاعتبار العاشر
. في 14 تموز/يوليو 2006، قصف الطيران الإسرائيلي خزّانات الفيول في محطّة الجيّة الكهربائيّة جنوب لبنان. فانصّب في البحر حوالي 15000 طن من الفيول. وفي بداية شهر آب/أغسطس، طالت البقعة السوداء ثلث الشواطئ اللبنانية وبلغت الشواطئ السوريّة، مُهدِّدةً قبرص وسوريا وتركيا واليونان... وإسرائيل [20].
تذكّرنا هذه الكارثة البيئيّة، التي هي عبارة عن "نتيجةٍ جانبيّة" للحرب، بأنّ المشاكل المُرتبطة بالبيئة ستصبح ذات أهمّية إستراتيجيّة كبيرة. ففي قمّة الدول الصناعيّة الثماني الكبرى G8، التي انعقدتْ في غلين إيغلز في تموز/يوليو 2005، شكّلتْ محاربة تسخّن الأرض إحدى مواضيع الاجتماع، فالأرض لن تكون كما كانت عليه مع ارتفاع الحرارة بضع درجاتٍ عن المعدّل الطبيعي، وقد يؤدّي ارتفاع مستوى البحار إلى كوارث غير مسبوقة، لذا، هنالك إصلاحات قويّة المفعول تفرض نفسها، في حين يقترب الوقت الذي لن نعود فيه قادرين على استخراج ما يكفي من المحروقات - والتي يؤدّي استهلاكها أصلاً إلى تفاقم مشكلة تسخّن الأرض - لتلبية الطلب.
من خلال هذه النظرة الشاملة والمختصَرة للواقع العالمي الجديد، يُطرح هذان الرّهانان - الخطر البيئي ونهاية الحقبة النفطيّة- كتحدّييْن أساسيّيْن على الإنسانيّة مواجهتهما.

[1] في 15 تموز/يوليو 2005، لم يستبعد الجنرال الصيني زو تشانغو، المسؤول في جامعة الدفاع القومي، أن تلجأ الصين إلى ضربة نووية أولى على الولايات المتحدة، في حال تمّ تهديد مصالحها بالنسبة إلى تايوان. إقرأ: مارتين بولار: «الصين تشوّش النظام العالمي»، لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية، آب/أغسطس 2005.
[2] Le Monde, 10 août 2005.
[3] Newsweek, 24 juillet 2006.
[4] إذاعة حزب الله اللبناني
[5] International Herald Tribune, Paris, 14 juin 2006.
[6] باسم المبدأ العزيز على قلب المحافظين الجدد، الذي يعتبر أنّ الديمقراطيّات لا تخوض معارك في ما بينها. يعني ذلك أنّ إسرائيل قادرة على العيش بسلام إلى جانب دولة فلسطينيّة ديمقراطيّة. لكنّ تل أبيب برهنتْ عكس ذلك. وتبرهن الوقائع أنّ واشنطن راضية بأسوأ «السلطات الاستبدادية الصديقة» (مصر، السعودية، الأردن، أذربيجان، باكستان) التي لا يتمّ أبداً وصفها بـ«حصون متقدّمة للاستبداد»، وهي التي ترمي شعبها الذي أصبح فقيراً ومقموعاً ومُتعباً من الفساد، بين أيدي المنظّمات الإسلامية الأصولية.
[7] Le Monde, 19 juillet 2006.
[8] إنّ تقرير «السلم والحرب في القرن الواحد والعشرين» الذي نشره مركز هيومان سيكوريتي التابع لجامعة بريتيش كولومبيا في فانكوفر (كندا)، يلحظ تراجعاً في عدد الصراعات منذ نهاية الحرب الباردة. وضمن الاتحاد الأوروبي، قرّرت المنظّمتان المسلّحتان الأكثر قتلاً، الجيش الجمهوريّ الايرلندي (IRA) وأوسكادي تا أسكاتاسونا ( (ETAالباسك، العدول عن النضال المسلّح. فقد أمر الجيش الايرلندي، في 28 تموز/يوليو 2005، المنضالين بـ«تسليم السلاح»، وأعلن جيش الباسك، في 22 آذار/مارس 2006، «وقفاً دائماً لإطلاق النار».
[9] بحسب تقرير منظمة هيومان رايت واتش، «الجيش الأميركي سمح بتعذيب السجناء في العراق»، لوموند، 25 تموز/يوليو 2006.
[10] جريدة لوس أنجلس تايمز، في 6 آب/أغسطس 2006، بأنّ كمّية الفظائع التي ارتكبها الأميركيّون في فييتنام كانت أكبر ممّا هو مُعتقَد.
[11] Joe Klein, “The Iran factor”, Time, 24 juillet 2006.
[12] Le Point, Paris, 20 juillet 2006
[13] ولم يخصّصوا للمساعدة على الإنماء سوى 18 مليار، أي ما يعادل 0,16 بالمئة من مجمل الناتج المحلّي الإجمالي.
[14] إنّ مجرّد التخوّف من رفع المصارف لنسبة فوائدها، أدّى في 21 أيار/مايو 2006 إلى سقوطٍ مذهلٍ للبورصات العالميّة الرئيسيّة.
[15] في العام 2005، باعت الولايات المتحدة منتوجات إلى الصين بقيمة 47,8 مليار دولار، في حين أنها تستورد من هذه البلاد منتوجات بقيمة 201,6 مليار، ما يوازي فائضاً بقيمة 153,8 مليار لصالح بكين التي تملك من جهة أخرى 320 ملياراً من السندات على الخزينة الأميركية.
[16] Capital, août 2006.
[17] Le Figaro, 20 juin 2006.
[18] L’Express, 8 juin 2006.
[19] International Herald Tribune, 29 juin 2006.
[20] Caroline Pailhe, “Israël, Palestine, Liban: Le chemin le plus long vers la paix”, GRIP, Bruxelles, 8 août 2006.

-------------

جورج قرم
لماذا تستشرس إسرائيل على لبنان


تخوّفت إسرائيل دوماً من صيغة لبنان المتعددة الطوائف وراهنت دائماً على تمزّقه. ولكن بعكس سابقيه، لم يستطع هذا العدوان أن ينجح في إشعال الحرب الأهليّة من جديد.

كان على إسرائيل، كـ «دولة اليهود»، أخذاً بعنوان كتاب تيودور هرتزل، الذي أسس الحركة الصهيونية في العام 1897، أن تصطدم منذ إنشائها بالاستمرارية لأكثر من ألف عام للتعدديّة الدينيّة في الشرق الأدنى، خصوصاً بين المسيحيين الشرقيين وبين المسلمين، سنّة كانوا أم دروزاً أم شيعةً أم علويين. ففي فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومصر هناك طوائفٌ دينية مختلفة، ومنها اليهود، تتعايش فيما بينها بشكلٍ وثيق [1] ، وكان لا بد لإنشاء دولةٍ يهوديةٍ صرف في هذا الوسط التعدّدي أن يصطدم بمقاومةٍ عنيفة.
وأول من تخوّف في الجانب العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر، كانوا مسيحيي فلسطين ولبنان وسوريا. إذ استشعروا الخطر الذي قد يحيق بمصيرهم أنفسهم عند قيام مثل هذه الدولة القائمة على احتكار طائفةٍ تتغذّى بإمداد ديموغرافي غريبٍ عن المنطقة ، يتمثل باليهود الأشكيناز الهاربين من الاضطهادات في روسيا وأوروبا الشرقية، ففي نظر الطوائف المسيحية الشرقية أنّ المشروع الصهيوني، المدعوم من القوى الاستعمارية الأوروبية سيصبح شبيهاً بالحملات الصليبية، وسيقضي بالتالي على حسن العلاقات العريقة بين المسيحيين والمسلمين في الشرق الأدنى، ومن جهةٍ أخرى فإنّ نجاح هذا المشروع قد يحمل البعض في المجتمعات المسيحيّة المحليّة على المطالبة بالتمتع بحق إقامة دولة طائفية لهم، على شاكلة "حقّ" اليهود الوافدين من وراء البحار.
وكان المستوطنون اليهود، حتى قبل إنشاء دولة إسرائيل، يعتبرون الأقليات المسيحية في الشرق الأدنى أحياناً كحلفاءٍ محتملين لهم. غير أن أملهم هذا قد مني بالخيبة، فمسيحيو لبنان الكبير، الذي أنشأه الانتداب الفرنسي في العام 1919 ظلّوا في غالبيتهم غير معنيين بهذا. فعندما دعا شارل قرم، الشاعر اللبناني باللغة الفرنسية، إلى العودة إلى الجذور الفينيقية للبنان، فهو لم يكن يحاول أبداً نسخ الإيديولوجية اليهودية، بل التأسيس لقومية لبنانية حديثة عابرة لحالات الانقسام بين المسيحيين والمسلمين. وفي الحقبة نفسها كانت القومية المصرية تثير أيضاً موضوع الجذور الفرعونية، والقومية العراقية الناشئة تستعيد أمجاد الإرث البابلي.
أمّا ميشال شيحا، اللبناني الآخر الفرنكوفوني والفرنسي الميول، والصحافي اللامع ذو التأثير السياسي العميق، فإنه قد واظب على تحذير اللبنانيين من الخلل الذي يمكن أن تتسبب به دولة إسرائيل في الشرق الأدنى. وقد نبّههم إلى العدائية التي سيستقطبها لبنان بتعدديته الطائفية، لأنّه سيكون نقيض الحصرية الطائفية الإسرائيلية. وعلى الأرجح، إنّ أكثر من نبّه اللبنانيين إلى صعوبة مآل بلادهم في مواجهة تجربة قيام دولة إسرائيل هو الكاهن الماروني يواكيم مبارك الذي خصّص أعماله الوفيرة للحوار الإسلامي-المسيحي ولإظهار الموقع المركزي للبنان، كما لفلسطين، في هذا الحوار [2] .
فليس من المستغرب إذن أن نرى الجيش اللبناني يشارك في معارك حرب 1948 إلى جانب سائر الجيوش العربية، في محاولةٍ لمنع قيام دولة إسرائيل. وفي العام 1949 تم توقيع اتفاقية هدنة بين لبنان وإسرائيل. وكان من الحكمة أن امتنع الجيش اللبناني عن المشاركة في حرب حزيران/يونيو عام 1967، التي انتهت باحتلال إسرائيل لصحراء سيناء المصرية ولهضبة الجولان السورية، إضافةً إلى القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزّة في فلسطين. إلا أن لبنان لم يستطع البقاء في منأى عن أشكال التوتر المتزايدة التي ولّدتها هذه الحرب في الشرق الأدنى. والأسوأ أن نظام الحريات الديمقراطية فيه وتعددية الاتجاهات السياسية قد حوّلته إلى مركزٍ يضخّم أصداء التوترات الشديدة التي تسبب بها النصر الإسرائيلي عام 1967 على كل أنحاء العالم العربي.
ومن جهة أخرى فإن حجم الهزيمة العربية واحتلال كافة الأراضي الفلسطينية قد أديا إلى خضّاتٍ عميقة في المجتمع الفلسطيني وخصوصاً إلى تثبيت الحركات المسلحة التي راحت تجنّد اللاجئين الفلسطينيين في المخيّمات وعلى الأخص في الأردن ولبنان، اللذين كانا قد استقبلا العدد الأكبر من اللاجئين نسبةً إلى سكانهما وحجمهما. وبعد طردها من الأردن في العام 1969 إثر عملية القمع التي قام بها الجيش الأردني ) أيلول الأسود)، عمدت حركات المقاومة الفلسطينية إلى توسيع تمركزها في لبنان حيث كانت أحياناً تنفّذ عبر حدوده عمليات حرب عصابات ضد إسرائيل، ما أدّى إلى سياسة انتقامية كثيفة من الجيش الإسرائيلي ضد الدولتين اللتين تأويانهما؛ وهكذا أدّى الأمر في لبنان، في العام 1968 إلى قيام فرقة كومندوس محمولة إسرائيلية بتدمير الأسطول الجوي المدني اللبناني بكامله، متسببةً باضطراباتٍ سياسية في البلاد وبشللٍ متزايدٍ بشكل جليّ لدى حكومته.
في الواقع أنّه بعد الحرب الإسرائيلية العربية عام 1973، أصبح لبنان هو ساحة المعركة الوحيدة في المواجهة مع إسرائيل، بعد أن حُيِّدت الجبهتان السورية والمصرية كلياً [3] وبذلك انفتحت الطريق أمام اشتعال انفجار الحرب الأهليّة العام 1975. وإذا لبنان الذي اتخذه الكثير من الأحزاب الفلسطينية نموذجاً لفلسطين العتيدة العلمانية والديمقراطية، يمكن أن تضم اليهود والمسيحيين والمسلمين على قدم المساواة، يغرق هو نفسه في دوامة العنف [4] .
وهذا الانفجار أدّى إلى نشوء تحالف من أحزابٍ علمانيّة لبنانية تحت شعار «الحركة الوطنية» أيّدت المجموعات الفلسطينية المسلحة. وقد ضمّ هذا التحالف مختلف الفصائل ذات الميول الناصرية، المنتشرة بقوة في الطائفة السنيّة، والحزب الشيوعي والحزب القومي السوري والحزب الاشتراكي بزعامة كمال جنبلاط، والد السيد وليد جنبلاط. وفي مواجهة هذا التحالف بدأ حزب الكتائب، المتأثر بوزير الخارجية السابق شارل مالك المقرّب جداً من الولايات المتحدة، بالتسلّح محاولاً جمع كل المسيحيين تحت شعار "الجبهة اللبنانية". وقد قررت هذه الجبهة تحرير لبنان من قبضة الثورة الفلسطينية المدعومة من الاتحاد السوفيتي والدول العربية «الراديكالية».
وبالنسبة إلى إسرائيل كان من شأن هذه الأوضاع اللبنانية، التي غذتها سياساتها الانتقامية المكثّفة، أن أعادت إلى برنامج عملها هدفاً استراتيجياً قديماً يعود إلى مطلع خمسينات القرن الماضي، ويتمثّل في العمل على قيام دولة مسيحية في لبنان متحالفةً مع الدولة اليهودية لكي تبرّر شرعية إسرائيل في الشرق الأدنى [5] فعندما قامت باجتياح جنوب لبنان حتى نهر الليطاني في العام 1978، قام جيشها وفق خطّة قديمة لديفيد بن غوريون بتشكيل ميليشيا ممن أغوتهم من جنود الجيش اللبناني، وعلى رأسهم ضابطٌ مسيحيٌّ منشقّ. وفي نيسان/أبريل عام 1979 أعلنت هذه الميليشيا إنشاء دولة "لبنان الحرّ" على مساحة 800 كم مربع، ظلّت واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى العام 2000، خارقةً بذلك القرار رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة.
وفي الوقت ذاته، ومع أنّ الجيش السوري كان قد دخل لبنان في ربيع العام 1976 لوقف تقدم قوّات تحالف الحركات الفلسطينية [6] والحركة الوطنية على معاقل الجبهة اللبنانية، أقامت أحزاب هذه الأخيرة علاقات مع إسرائيل بمباركة واشنطن. وعليه نشأت تدريجياً إستراتيجية مشتركة هدفت إلى فرض تغيير سياسيّ كلّي في لبنان: تمكين حزب الكتائب، مستغلاً اجتياحاً إسرائيلياً جديداً للبنان، من تسلّم الحكم وعقد معاهدة سلام مع إسرائيل برعاية أميركية؛ واستئصال الحركات المسلحة الفلسطينية. وقد وجدت هذه الإستراتيجية ترجمتها مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين حاصر الجنرال أرييل شارون مدينة بيروت من حزيران/يونيو إلى أواخر آب/أغسطس، وفرض حكماً كتائبياً في لبنان بضمانةٍ من الغرب والسعودية ومصر.
وفي خضمّ الاجتياح، انتخب البرلمان اللبناني كتائبياً لرئاسة الجمهورية (كان بشير الجميّل)، ثم بعد اغتياله، شقيقه أمين؛ وبضغطٍ أميركي وقّع الحكم الجديد في العام 1983 على معاهدة سلام غير متكافئة مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته تمّ بالقوة تهجير 200 ألف مسيحي من الشوف، المنطقة الجبلية الواقعة جنوب شرق بيروت: ذاك أن الجيش الإسرائيلي قد شجّع الميليشيات المسيحية والدرزية على الاقتتال قبل أن ينسحب من هذه المنطقة، أمّا التنظيمات المسلّحة التابعة للأحزاب العلمانية اللبنانية، وهي العمود الفقري لمقاومة الاحتلال منذ 1978، فإن حزب الكتائب قد نزع سلاحها وطاردها بدعمٍ من قوات الفصل المتعددة الجنسية التي أُرسِلَت إلى لبنان في آب/ أغسطس عام 1982 للمساعدة في إجلاء المقاتلين الفلسطينيين وحماية السكان المدنيين، مع ذاك النجاح المعروف في مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين... تلك كانت الظروف التي أدّت إلى تأسيس «حزب الله» الذي راح يجنّد بقوة أبناء الطائفة الشيعية، المتحمسّة للثورة الدينية الإيرانية، والذي عبّأها بقوة للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب البلاد.
ولأنّ لبنان لم يتمكّن من الالتحاق بالفلك الأميركي الإسرائيلي، فقد تمّ إغراقه في متاهةٍ من التفكك الطائفي، وفي العام 1990-1991، وكمكافأةٍ لها على انضمامها إلى التحالف المعادي للعراق، حصلت سوريا على موافقة الغرب على سيطرتها على لبنان، فوقعت البلاد تحت حكمٍ مشتركٍ سعوديّ سوري، وذلك مع تولي رفيق الحريري، الحائز على ثقة الملك السعودي، رئاسة الحكومة، ليشغل هذا المنصب من دون انقطاع من العام 1992 إلى العام 1998، ثم من العام 2000 إلى العام 2004، جارّاً البلاد إلى موجةٍ لا سابق لها من المضاربات العقارية والمالية، فورث لبنان ديناً بقيمة 40 مليار دولار، إلاّ أن مجموعات من المقرّبين والمحابين والأمراء العرب والضباط السوريين والمصارف المحلية وصناديق الاستثمار، قد جنت ثروات من هذا تفوق التصور.
وفي أيلول/ سبتمبر 2004 جاء القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن ليطرح مجدداً الوضع الهش في لبنان، فبعد اجتياحها العراق وبناءاً على مشروعها للـ «شرق الأوسط الجديد»، رفضت الولايات المتحدة أن تبقي وطن الأرز في مدار المحوَر السوري الإيراني، الذي يشكل حزب الله في نظرها تعبيراً مباشراً عنه، ولذلك قررت استئصاله، وقد دان القرار أي تمديدٍ لولاية الرئيس اللبناني إميل لحود (الذي اعتبر الداعم الأوّل لهذه المنظمة التي تعتبرها الولايات المتحدة «إرهابية»)، كما طالب القرار بانسحاب القوات السورية وبانتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان ونزع سلاح كافة الميليشيات، و كان المقصود بذلك حزب الله، مع أنه يعتبر في لبنان وكافّة أنحاء العالم العربي كـ «مقاومة»، إنما أيضاً المنظمات الفلسطينية التي ما تزال متواجدة في لبنان.

تعدديّة عمرها أكثر من ألف سنة بين المسيحيّة الشرقيّة والشيعة والسنّة والدروز والعلويّون.

بشيءٍ من العماء غير المألوف أخذت الدبلوماسية الفرنسية هذا القرار على عاتقها، على الأرجح بهدف التصالح مع الولايات المتحدة بعد خلافهما حول العراق، لكن نتيجة ذلك تم إغراق لبنان في أسوأ حالات عدم الاستقرار، إذ أعيد به إلى الوضع السابق الذي عاشه ما بين العامين 1975 و1990، أي كساحة مواجهة بين مختلف أطراف النزاع في الشرق الأدنى، وهكذا بدأ وضع المخططات لاحتلال لبنان مجدداً. بموازاة ذلك وبعد اغتيال رفيق الحريري، عملت الولايات المتحدة وفرنسا بقوّة لإقامة سلطة محلية مؤيّدة للطروحات الأميركية، وقد انبثقت هذه السلطة من قوى 14 آذار/ مارس التي التفّت حول عائلة الحريري والزعيم وليد جنبلاط.
وقد استغل مجلس الأمن اغتيال رئيس الوزراء السابق لكي يقرّ سلسلة مهمّة من القرارات تتعلّق بتشكيل لجنة تحقيق دولية، ثم إنشاء محكمة دولية، إضافةً إلى إعادة التأكيد على ضرورة تطبيق الحكومة اللبنانية للقرار 1559. والغريب أن هذا الاهتمام البالغ من السلطة العليا في الأمم المتحدة قد جاء متناقضاً مع سلبيتها وتهرّبها حين أخذت إسرائيل، في تموز/يوليو عام 2006، كافّة الشعب اللبناني كرهينةٍ ودمرت مناطق بأكملها واغتالت المئات من أبنائه وتسببت بتهجيرٍ مؤقتٍ لآلاف آخرين...
بالتأكيد، لبنان ما يزال يزعج إلى حدٍّ كبيرٍ إسرائيل و«المجتمع الدولي» الذي دعم أو غضّ النظر بشكلٍ مشين عن تنفيذ هذا الاعتداء الخارج عن المعايير، على غرار الهجوم القائم ضدّ ما تبقى من فلسطين، لكن الفريق الأميركي الإسرائيلي لم يوفَّق في العام 2006 أكثر مما وفِّق في «العملية الجراحية» التي نفذها عام 1982 والتي أدخلت لبنان في حالة احتضار على مدى سنواتٍ تماماً كما يجري في فلسطين اليوم.
أليس هناك خطرٌ في أن تؤدي «حرب الحضارات»، الإطار النظري لسياسة الحرب على «الإرهاب» وعلى «الفاشية الإسلامية»، والتي تبشّر بها الإدارة الأميركية منذ العام 1992، إلى إغراق لبنان مجدّداً في حربٍ داخليّة دموية بين الطوائفlebanon4all/estefham.gif وهل أنّ الرسالة اللبنانية كأرضٍ هي رمزٌ للتعدّدية الدينية، تغيظ الإسرائيليين كثيراً ، ستتمكّن من الصمود في وجه هذه الضربة القويةlebanon4all/estefham.gif بالطبع إن ما يدعو للطمأنينة هو رؤية غالبية مسيحيي لبنان، وبعكس حالتهم النفسية في العام 1975، يستعيدون بعد ما حدث تراثهم الفكري والسياسي الذي تحدّثنا عنه.
الجنرال ميشيل عون، القائد السابق للجيش اللبناني، والذي كان قد قام بمحاولة فاشلة في العامين 1989-1990 لإخراج سوريا من لبنان، قد أصبح اليوم الشخصية الأكثر شعبية عند الطائفة المسيحية. وهو نفسه، ابن الضاحية الجنوبية لبيروت، قد أعلن تضامنه في المصيبة الجديدة التي تحلّ بالبلاد، لكن بشكل أوثق مع الطائفة الشيعية التي دُمِّرت مناطق سكنها بشكلٍ منهجيّ. وبموقفه هذا وَقَفَ سدّاً في وجه الانقسام الطائفي الذي حاولت أن تثيره العملية الإسرائيلية الشرسة إلى أقصى الحدود، هذه العملية التي كانت لتشكّل الورقة الأقوى بيد الدولة اليهودية وحلفائها في واشنطن في محاولاتها المتجددة، كما في العام 1982، لتحطيم هذه الأمة اللبنانيّة «المتمرّدة» واستتباعها.
فهل أن الدعايات المنذرة بـ «صدام الحضارات» وإنهاك بلدٍ بأكمله يتحمّل وحده منذ عام 1975، مع الفلسطينيين، ضغط الآلة الحربية الإسرائيلية، سوف تتغلّب على المدى الطويل على المقاومة الرائعة في المجتمع المدني اللبناني لكل المآسي التي يواجههاlebanon4all/estefham.gif وهل أن الثغرات الكثيرة وغير المعلنة في القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن لن تستخدم للسماح لإسرائيل وللولايات المتحدة بإملاء إرادتهما على الحكومة اللبنانية وبالتدخّل في شؤونه الداخلية كما هم يفعلون منذ صدور القرار 1559.
الكثير من اللبنانيين يتمنّون رؤية وطنهم يقف على الحياد في النزاع العربي الإسرائيلي، منقطعاً عن عمقه السوري، ليصبح موئلاً مثل مونتي كارلو لأمراء النفط الأثرياء في الشرق الأوسط الجديد الذي يعِد به السيد جورج بوش. لكن هذا الحلم القديم الجبان لن يسمح للبنان بمواجهة التحديات التاريخية المكتوبة عليه. أضِف أن ما بات يشغل بال الجميع هو شبح الحرب الأهلية التي تدفع الولايات المتحدة العراق في اتجاهها، تحت شعار "نشر الديمقراطيّة" والمواجهة بين السنة والشيعة التي تذكّيها في المنطقة الأنظمة العربية المرتبطة بزبانيتها بالولايات المتحدة.
إن عملية التفتيت هذه هي جزءٌ من المخططات الإسرائيلية والأميركية. وهي ستفتح الباب واسعاً أكثر أمام أشكال الفوضى والمعاناة، فهل سيعرف لبنان كيف يحمي نفسه ويصون هذا الاندفاع التضامني بين مختلف طوائفه في مواجهة العدوانlebanon4all/estefham.gif وحده المستقبل سيأتي بالجواب.


* وزير المالية اللبناني الأسبق، من مؤلفاته: Orient-Occident, la fracture imaginaire, La Découverte, Paris, 2005, La Question religieuse au XXIe siècle, La Découverte, Paris, 2006, et Le Proche-Orient éclaté. 1956-2006, Gallimard, Folio/Histoire, Paris 2005.

[1] أنظر: Histoire du Pluralisme Religieux dans le Bassin Méditerranéen, Geuthner, Paris, 1998.
[2] راجع: Youakim Moubarac, un Homme d’exception, La Librairie Orientale, Beyrouth, 2004.
[3] لقد أدّى توقيع أنور السادات، تحت الرعاية الأمريكية، على صلحٍ منفرد مع إسرائيل (1978) إلى إعادة انطلاق دورة العنف في لبنان (راجع Le Liban Contemporain, La Découverte, Paris, 2005(. في المقابل، يخيّم على الجبهة السورية - الجولان المحتلّ - حتّى اليوم هدوءٌ له صداه مع ما يرافقه من عدم استقرار في لبنان.
[4] في خطابه الشهير في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1974 أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، تحدّث ياسر عرفات عن «حلمه» أن يظهر للوجود «بلدٌ واحدٌ ديمقراطيّ يتعايش فيه المسيحيّون واليهود والمسلمون ضمن دولة قائمة على أسس العدل والمساواة والإخاء».
[5] إقرأ: La Balcanisation du Proche-Orient. Entre le Mythe et la Réalité, Le Monde diplomatique, Janvier 2003.
[6] أحد أوّل أحداثه كان خلال الصيف مجزرة مخيّم الفلسطينيين في تلّ الزعتر.



sawama- 10-19-2006
تشرين الأول/ أكتوبر: ثلاث اعتداءات بالسيارات المفخخة توقع 34 قتيلاً في ثلاث منتجعات سياحية في سيناء يرتادها سباحٌ إسرائيليون.

2تشرين الثاني/ نوفمبر: إعادة انتخاب بوش رئيساً للولايات المتحدة الأميركية.

6كانون الأول/ ديسمبر: مجموعة مسلحة تدّعي الانتساب إلى تنظيم القاعدة تهاجم القنصلية الأميركية في جدّة (السعودية) مما أدى إلى مقتل 5 موظفين و4 من المهاجمين.

2005
30 كانون الثاني/ يناير: انتخابات متعددة الأحزاب للمرة الأولى في العراق منذ 1953

10شباط/ فبراير: كوريا الشمالية تؤكد امتلاكها القنبلة الذريّة بعد عامين على انسحابها من معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية.

14شباط/ فبراير: اعتداء في مانيلا (الفيليبين) وفي جنوب البلاد: 12 قتيلاً.

24 حزيران/ يونيو: انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

7تموز/ يوليو: اعتداءات لندن في مترو الأنفاق: 56 قتيلاً وحوالى 700 جريح.

23 تموز/ يوليو: اعتداء في منتجع شرم الشيخ (مصر): 88 قتيلاً ومئة جريح.

12أيلول/ سبتمبر: نهاية انسحاب الجيش والمستوطنين الإسرائيليين من قطاع غزة.

17 أيلول/ سبتمبر: الرئيس محمود أحمدي نجاد يؤكّد من جديد أمام الأمم المتحدة حق إيران المطلق في السيطرة على عملية تخصيب اليورانيوم.

1 تشرين الأول/ أكتوبر: ثلاثة اعتداءات في بالي (اندونيسيا) توقع 26 قتيلاً و100 جريح.

25تشرين الأول/ أكتوبر: بلغ عدد الجنود الأميركيين القتلى في العراق الـ 2000.

29 تشرين الأول/ أكتوبر: المجلة الطبية الانكليزية «لانسيت» (لندن) تنشر تحقيقاً ميدانياً يؤكد على قاعدة تقديرات غير مبالغ فيها عدد القتلى العراقيين نتيجة أعمال العنف الناجمة عن الاحتلال بمئة ألف عراقي نصفهم من النساء والأطفال.

9تشرين الثاني/ نوفمبر: ثلاثة اعتداءات ضد فنادق في عمّان (الأردن): 57 قتيلاً و100 جريح.

2006
25 كانون الثاني/ ينار: فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

22شباط/ فبراير: اعتداء ضد مسجد سامراء (الشيعي) ما اعتبر البداية الرمزية للحرب الأهلية في العراق.

آذار/ مارس: بوش يوافق على نقل المواد الحساسة كاليورانيوم المخصّب إلى الهند التي لم توقّع على اتفاقية الحدّ من انتشار الأسلحة النووية.

الربيع: هجوم جديد للطالبان في أفغانستان انطلاقاً من وزيرستان.

24نيسان/ إبريل: اعتداء في دهب (مصر): 18 قتيلاً.

7حزيران/ يونيو: مقتل أبو مصعب الزرقاوي إثر هجوم للجيش الأميركي.

27 حزيران/ يونيو: توقيع حماس وفتح على «اتفاق الأسرى» الذي يحدد كهدف إنشاء دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

28 حزيران/ يونيو: بعد ثلاثة أيام على اختطاف أحد جنوده على حدود قطاع غزة، يطلق الجيش الإسرائيلي عملية «أمطار الصيف» التي أوقعت أكثر من 200 قتيل خلال شهرين.

13 تموز/ يوليو: بعد هجوم حزب الله على دورية إسرائيلية أوقع منها 8 قتلى وأسر عنصرين، أطلقت إسرائيل حرباً جديدة ضد لبنان.

////////////////////////////////////////////////////

(مُقتطفات من الصحافة الأميركية).

«تلّ أبيب» حليف مُخيّب...

افتتاحية جريدة وال ستريت، الأول من آب/ أغسطس 2006:

(...)نأمل إذاً في الوقت الذي تستكشف فيه السيّدة رايس الخيارات الديبلوماسية، أن يوضّح السيّد بوش للسيّد أولمرت على انفراد أنّه على إسرائيل إنهاء المهمّة التي بدأت العمل بها ضدّ حزب الله، بما فيها الاجتياح البرّي لجنوب لبنان إذا لزم الأمر. إنّ الدعم الأميركي للاستراتيجيّة الإسرائيلية سيكلّف السيد بوش غالياً على الصعيد السياسي، ويجب على السيّد أولمرت أن يفهم أنه سيُعاد النظر بهذا الدعم في حال لم يُظهِر استعداداً لتحقيق انتصارٍ عسكريّ قدر الإمكان.

- تعليق شارل كروهامير بعنوان «الوقت الضائع لإسرائيل» الذي نشرتْه صحيفة واشنطن بوست في 4 آب/ أغسطس 2006:

(...)يبدو أنّ القادة الإسرائيليين لا يفهمون إلى أيّ مدى قد تُسيء الهزيمة العسكريّة في لبنان على علاقتهم بالولايات المتحدة التي تشكّل شبكة الأمان الحيويّة لإسرائيل، (...) هنالك نقاشٌ مُحتدمٌ في الولايات المتحدة لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل تشكّل ورقةً رابحةً أو عبئاً، في عالم ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، وقد منح الهجوم الذي قام به حزب الله، من دون تحريضٍ سابقٍ من الجانب الإسرائيلي، هذه الأخيرة فرصةً مُذهلةً لتُبرهن عن منفعتها عبر المُساهمة بشكلٍ كبيرٍ في الحرب الأميركيّة على الإرهاب. (...) إنّ أميركا تطالب، فهي بحاجة إلى انتصارٍ حاسمٍ على حزب الله. (...) إنها إذاً الفرصة لتبرهن إسرائيل عمّا تستطيع القيام به من أجل حاميتها. (...) لقد خاطرت الولايات المتحدة بالكثير لمساعدة إسرائيل على الانتصار. فهي تأمل بأن تُنجز إسرائيل المهمّة. لكنّ أملها خاب. فرئيس الوزراء إيهود أولمرت قاد العمليّات بشكلٍ متردّد وغير واثق، وقد اعتمد على عمل الطيران، رافضاً الإذعان لطلب قادته بشنّ هجومٍ برّي، قبل أن يتراجع فيما بعد. (...) كان لمحاولته تحقيق انتصارٍ بثمنٍ رخيص، تأثيرٌ على العمليّات في لبنان، لكن أيضاً على ثقة أميركا بإسرائيل، غير أنّ هذه الثقة مصيريّة بالنسبة لاستمراريّة إسرائيل، بقدر أهمّية الجيش لها.

هل البيت الأبيض مُستاءٌ من حليفتهlebanon4all/estefham.gif هذا ما ألمحتْ إليه صحيفة نيويورك تايمز في مقالٍ صدر في 13 آب/ أغسطس، وتمّ نصّه من القدس:

يتخوّف الإسرائيليّون من تسبّبهم في زعزعة علاقتهم بالولايات المتحدة، فقد يتذمّر بعض الأميركيين، كونهم تركوا للإسرائيليين الوقت اللازم من أجل القضاء على حزب الله، وأنهم لم يتمكّنوا من إنجاز المهمة. يتكلّم السيد (إيتامار) رابينوفيتش (سفير إسرائيلي سابق لدى الولايات المتحدة) بشكلٍ مباشرٍ أكثر: «سيتمّ الحكم على سمعتنا كشريكٍ استراتيجي. لقد قلنا إلى الأميركيّين: أعطونا الوسائل اللازمة وسنقوم بالمهمّة. نحن مشهورون بجنودنا العجائبيّين. وقد أخفقْنا من هذه الناحية».

///////////////////////////////////////////

عندما يتولّى الجيش القيادة في إسرائيل

لعل في انتهاء الجولة الأساسية من المواجهة بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال بالصورة التي آلت إليها، واتضاح مدى تهافت الرهان التي بنت عليها حكومة أولمرت فلسفتها في التعاطي مع لبنان ومقاومته المسلحة، فضلاً عن سقوط الأعداد الكبيرة من القتلى الإسرائيليين من العسكريين ما يثير التساؤلات داخل الدولة العبرية، وداخل أركان الجيش الإسرائيلي، فقد فاقت الخسائر البشرية كل التوقعات، وفاقم منها الضربة الصاروخية المركزة التي استهدفت تجمعاً عسكرياً إسرائيلياً قرب مستعمرة «كفار جلعادي»، فأطاحت برؤوس 12 من أفراد الجيش.

حصد الجيش الإسرائيلي الثمار المُرَّة، من دون أن يقطف النتائج التي كان يتوقعها من الغارات البربرية التي شنتها طائرات الفانتوم (إف 16) على مناطق لبنان المختلفة، خصوصاً على مناطق الضاحية الجنوبية في حارة حريك والغبيري والشياح وبئر العبد، وزاد من مرارة النتائج التي شربها قادة حكومة أولمرت وتحالفه الائتلافي، انطلاق سلسلة الفضائح التي مست عدداً من قادة إسرائيل وجيش الاحتلال، ومنها الفضائح التي مست رئيس الأركان الجنرال دان حلوتس من خلال إقدامه على بيع أسهمه المالية قبيل الحرب وتهيئة نفسه للهزيمة والهروب خارج فلسطين المحتلة في العام 1948.

إذاً، مع انقشاع سحب وغبار جولة الحرب الدموية الإسرائيلية ضد لبنان وشعبه، وفشل حكومة أولمرت وطاقمه في الوصول إلى النتائج المتوخاة من الحرب العدوانية، بدأت مجموعة من الأسئلة تشيح عن نفسها داخل إسرائيل، وهي أسئلة حادة قد تطيح بأولمرت وعمير بيرتس وبمستقبلهما السياسي، لكن الأثر الأهم لصواريخ حزب الله ليس فيما أوقعته من قتلى بين المدنيين ولا حتى في المواقع العسكرية التي استهدفتها، إنما بآثارها البعيدة المدى على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث بات جميع الإسرائيليين مقتنعون بأن لا أحد منهم خارج مرمى هذه الصواريخ، فعمدت هيئة الأركان الإسرائيلية عشية الأسبوع الأول من القتال على لبنان إلى إقصاء قائد منطقة شمال إسرائيل العسكرية الجنرال «عودي آدم» الذي قاتلت قواته في خطوط المواجهة الأمامية مع حزب الله، فجعلته يدفع ثمن مشاكل الجيش على الأرض، وعهدت هيئة الأركان بالقيادة الفعلية للعمليات في لبنان إلى مساعد رئيس الأركان الجنرال «موشيه كابلينسكي».

أعلن الجيش الإسرائيلي في حينها عن تكليف الجنرال كابلينسكي «تنسيق العمليات الجوية والبحرية والبرية في لبنان بصفته الممثل الشخصي لرئيس الأركان دان حالوتس»، وثمة سابقة لإقصاء الجنرال آدم، ففي أكتوبر 1973 أقصي جنرال المدرعات «شمويل غونن»، الذي لم يحسن إطلاقاً تقدير القدرات القتالية للجيش المصري في مواجهة دباباته، وحل محله في خضم المعارك رئيس الأركان السابق «حاييم بارليف».

تأسيساً على ذلك، نلمس الآن تفاقم «أزمة قيادة عسكرية وسياسية في إسرائيل» مترافقة مع تعالي الأصوات اليهودية الإسرائيلية في الوسطيْن السياسي والعسكري المندِّدة بالأداء العام لمجموعة أولمرت / بيرتس ومجلس الوزراء المُصغّر.

وعليه، جاءت التطورات المشار إليها داخل المعادلة الإسرائيلية، بفعل الصمود اللبناني من جهة، وتزايد حجم الخسائر الإسرائيلية من جهة ثانية، خصوصاً أن الكاتيوشا لم يتوقف سقوطها طوال أيام الحرب فوق رؤوس جيش الاحتلال ومستوطنيه التي باتت ألسنتها تلسع الإسرائيليين ذاتهم، فتعالي هذه الأصوات يحدث بالضرورة أصداء متباينة في الخريطة الإسرائيلية الداخلية، ويفتح المجال أمام زعزعة ما يسمى «بالإجماع الوطني» على مكافحة ما تسميه إسرائيل بـ «الإرهاب» اللبناني والفلسطيني.

في السياق نفسه، إن اهتزاز الوضع الداخلي الإسرائيلي يتوقع له أن يتمدّد، وأن يقارب قلب جيش الاحتلال مع التغييرات الأخيرة أثناء القتال في لبنان، فقد بدأت بوادر متاعب العبء الكبير لسياسة أولمرت / بيرتس، تبدو على قطاعات المجتمع الإسرائيلي بما في ذلك الوحدات العسكرية.

من الناحية التاريخية، إن الانعطاف في مواقف العديد من ضباط جيش الاحتلال، ظهر للمرة الثانية في صفوف «جيش الدفاع الإسرائيلي - تساهال» بعد أن ظهرت الحركة الأولى بالاحتجاج على الخدمة العسكرية فوق الأراضي اللبنانية بقيادة البريغادير إيلي جيفع أثناء وبعد العام 1982، وتعاظمت هذه الحركة مع حركة الأمهات الأربعة وصولاً إلى انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية.

فالمعادلة التي حكمت مسار الجيش الإسرائيلي وبسبب من تركيبة الحياة السياسية الداخلية في إسرائيل أفضت إلى دور مزدوج للجيش: فهو من جانب بوتقة لتفريخ القيادات السياسية على مستوى الصف الأول داخل الدولة العبرية، ومن جانب آخر الأداة التنفيذية للسياسات الحكومية الائتلافية الإسرائيلية، ولم يسجل عليه منذ تأسيسه من رحم التنظيم العسكري «الهاغانا» الإرهابي، ووحدات «البلماخ» سوى هذين الاحتجاجين المذكورين.

إن حضور التيارات المُطالِبة بالسلام داخل الدولة العبرية الداعية لحلول الشرعية الدولية والمؤهلة للقيام بدور ما في المؤسسة العسكرية ما زال متواضعاً ومحدود التأثير على القرار السياسي، على الرغم من امتداد أصواتها داخل جيش الاحتلال منذ فترات سابقة قبل العدوان على لبنان، حيث وثيقة الـ 252 لضباط وجنود جيش الاحتلال، التي دعت إلى رفض الخدمة داخل الأراضي المحتلة في العام 1967 بعد الاستخدام المفرط لعمليات الاغتيالات الإسرائيلية في صفوف الانتفاضة العام 2003، فقد برزت في حينها مجموعة من الضباط «المندِّدين بسياسات شارون، متهمة إياه بأنه يقود إسرائيل نحو الهلاك على يد الفلسطينيين».

من بين الضباط المشار إليهم، ضابط برتبة عقيد، و12 ضابطاً برتبة رائد، فضلاً عن البريغادير «موطي ساعي» قائد وحدة منتخبة برئاسة الأركان، إضافة إلى مئة عسكري إسرائيلي، أعلنوا أيضاً رفضهم المشاركة في التجنيد العام، فقامت حركة «يوجد حد» بمساندة معركة التمرد على الخدمة العسكرية في المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1967، ومن بين الذين انضموا إلى المجموعة أحد ضباط سلاح الجو ويدعى «يوفال تاماري».

يبقى القول، إن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ في الأيام الأولى من العدوان على لبنان، ما لا يقل عن 5130 طلعة جوية، و600 ساعة طيران، تم خلالها إطلاق مالا يقل عن 500 صاروخ، و80 قنبلة تزن كل واحدة منها 1000 كيلوغرام.

فالعدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، لن ينجُو في نهاية المطاف من التفاعلات الإسرائيلية الداخلية التي بدأت تطل وتشيح عن نفسها رويداً رويداً، وقد تسحب نفسها داخل وحدات جيش الاحتلال مع الخسائر التي تكبدها على يد مقاتلي حزب الله.

إن من بين جميع الحروب العربية الإسرائيلية فإن ميزان الخسائر في الحرب السادسة يميل لأول مرة في غير صالح إسرائيل وذلك وفق المصادر الإسرائيلية ذاتها. فقد قتل (156: 117 عسكريا + 39 مدنياً) إسرائيلياً، 5000 جريح، منهم 311 نزيل المستشفى دائماً، 33 يوماً من القتال، تحطم 4 مروحيات وطائرات، سقوط 3970 صاروخ كاتيوشا من صواريخ المقاومة على مدن شمال ووسط فلسطين المحتلة عام 1948، مع تعرض 7000 هدف لهجوم من قبل المقاومة.

كما أصاب عدد من هذه الصواريخ بنجاح مواقع عسكرية، واستهدفت صواريخ منها مقر قيادة المنطقة العسكرية الشمالية في صفد، ومقر قيادة اللواء الغربي في مستوطنة (الشومرة)، وقاعدة سلاح الجو الرئيسية في المنطقة الشمالية الواقعة في مستوطنة (رامات ديفيد)، وقاعدة لتخزين الأسلحة قرب صفد وموقع (سرغا) العسكري قرب عكا، ومطار (روش بينا) العسكري، ومقر قيادة العمليات الجوية في جبل ميرون.

أما على صعيد العتاد العسكري فقد خسر الجيش الإسرائيلي خلال المجابهات مع حزب الله عدداً كبيراً من دبابات (ميركافا) وهي من أحدث الدبابات في العالم وأكثرها تحصيناً، كما خسر عدداً من الجرافات العسكرية العملاقة وطائرات استطلاع من دون طيار، وثلاث مروحيات من طراز (أباتشي)، وبارجة حربية من طراز (ساعر -5)، وهي واحدة من ثلاث بوارج تعتبر الأحدث في سلاح البحرية الإسرائيلي.

خسائر اقتصادية تصل إلى 25 مليار شيكل، احتراق 750000 شجرة، تهدم 12000 منزل، إضافة إلى مشاركة 30000 عسكري في القتال، وتكلفة شن 15000 غارة جوية، و800 ساعة إبحار للسفن الحربية.

وفق المنظور إياه، يتوقع أن تتواصل حركة الجدل في إسرائيل، بعد أن باتت غالبية الإسرائيليين وفق استطلاعات الرأي المنشورة على صفحات الجرائد الإسرائيلية، على قناعة تامة بأن الدولة العبرية الصهيونية تشهد لأول مرة في تاريخها أزمة مزدوجة:

أزمة قيادة في الجيش، وأزمة قيادة في المواقع السياسية الأولى، فالحرب الأخيرة كشفت ظهر إسرائيل؛ وكشفت معها أيضاً هذا التردي السريع في بنية وقصور القيادة الحالية التي ورطتها قي أزمة كبيرة ستترك آثارها إلى أمد بعيد.

/////////////////////////////////////////////////////

sawama- 12-11-2006
تناغم سطحي بين شيعة العراق: دراسة حول الواقع السياسي الشيعي في العراق المحتل

تعود بذور الخلاف السني الشيعي إلى اللحظة الأولى التي رافقت وفاة النبي محمد، فمن تحديد الأحقية في خلافته اندلعت الشرارة الأولى بين القبائل التي وحَّدها الإسلام. وتعود بداياتها إلى انقسام المسلمين إلى فريقين: يمثَّل الأول، علي بن أبي طالب (ابن عم الرسول) ويقول بأحقيته بالخلافة لأنه أقرب الناس إليه فهو ابن عمه وزوج ابنته. أما الفريق الثاني فضمَّ القبائل التي لا تمت بصلة نسب مباشرة إلى النبي، وترى أن الخلافة حق لكل مسلم.

لم يكن للمذهب الشيعي فكر مستقل عن الإسلام، وإنما التراكمات السياسية اللاحقة في الصراعات الإسلامية – الإسلامية هي التي كان لها الدور الأول في تكوين المذاهب الدينية الإسلامية ومنها المذهب الشيعي، وارتبط التكوين الفكري بمضامين الخلافات السياسية، التي كانت تدور حول مسألة الخلافة، فكان كل مذهب ينهل من الأصول الإسلامية ما يدعم وجهة نظره.

كان لبلاد فارس (إيران حالياً) دور مستمر ومترافق مع الصراعات المذهبية، وقد لعب الفرس دوراً كبيراً في الخلافات المذهبية المذهبية حيث كان الفرس ميالين إلى تأييد المذهب الشيعي منذ انتهاء الخلافة الأموية في العام 125هـ، وكان العهد الصفوي (أواخر القرن السادس عشر الميلادي) عصرهم الذهبي في بناء دولة تحكم باسم الشيعة، فاستولت على العراق من ضمن ما استولت عليه، لأنه من غير المفهوم أن تقوم دولة شيعية لا سيطرة لها على العتبات المقدسة الشيعية في النجف وكربلاء والكوفة (أكبر المدن الشيعية في العراق والتي تحتضن مدافن أئمة الشيعة: علي بن أبي طالب والحسين والعباس…).
لم يستقر المقام للفرس في العراق، بل كان الكتف التركي الذي انتقلت إليه الخلافة الإسلامية منذ القرن السادس عشر الميلادي يمثل المذهب السني، وسرعان ما استعاد سيطرته على العراق.
وهكذا تبقى السيطرة الإيرانية على العراق هدفاً دائماً لن تكتسب أية دولة شيعية شرعية مذهبية من دون السيطرة المباشرة على العتبات الدينية الشيعية المقدسة في العراق.

ففي أواخر الخمسينيات من القرن العشرين نشأت في النجف في العراق –ربما كردة فعل لنشأة حركة الإخوان المسلمين السنية في مصر- حركة دينية شيعية سياسية تؤسس لفكر شيعي سياسي جديد يجيز القفز فوق »نظرية الانتظار« لتفسح أمام الشيعة في لعب دور سياسي في بنية الدولة. ولهذا الغرض تأسس »حزب الدعوة الإسلامي« الشيعي (الذي ينتسب إليه إبراهيم الجعفري عضو مجلس الحكم سابقاً ونائب رئيس العراق المعيَّن من قبل الأميركيين) وهو السبب الذي دفع بالكثير من النخب الدينية الشيعية أو السياسية والاقتصادية إلى الانتساب إلى صفوفه خاصة وأنه حفَّزهم على أن يلعبوا دوراً سياسياً في أجهزة الدولة كانت محرَّمة عليهم استناداً إلى النظرية السياسية التقليدية التي كانت تحد من طموحاتهم ورغباتهم.
ترافق تأسيس حزب الدعوة الشيعي مع بدايات أول ثورة قامت بها الأحزاب العلمانية، البعثيون والشيوعيون، في العام 1958م. وكان بناء دولة علمانية تحكم على أسس تشريعات وطنية جامعة يتعارض مع أية دعوة تعمل من أجل بناء دولة دينية، فاصطدمت السلطة العراقية الجديدة بالحركات الدينية السياسية سنية وشيعية على حد سواء. فكان في واجهة الصراع كل من حركة الإخوان المسلمين السنية (وهي كانت ممثَّلَة في مجلس الحكم المعيَّن أميركياً) وتفريعاتها، وحزب الدعوة الإسلامي الشيعي.

في أواخر الستينيات من القرن العشرين، مترافقاً مع بدايات التململ الشعبي الإيراني ضد نظام الشاه، نُفي الخميني من إيران فلجأ إلى النجف في العراق، وكانت له تجربة الاحتكاك مع التيار الشيعي الجديد الذي أخذ يروِّج إلى إجازة العمل السياسي في فترة انتظار عودة الإمام الثاني عشر الغائب، وبرهنت الدلائل – فيما بعد - أن الخميني قد اقتنع بأجواء التجديد شكلاً ومضموناً، وكانت لديه الوسائل الكفيلة لتعميق تلك المفاهيم ونشرها بين طلابه، فظهرت بشكل محاضرات ألقاها على طلابه في النجف، وقد صدرت لاحقاً في كتابه »الحكومة الإسلامية«.

في الوقت الذي كان محظوراً نشاط الحركات الدينية السياسية العراقية كان الخميني يحتمي بصفته لاجئاً سياسياً ويمارس نشاطه السياسي من دون محاذير، وقد كانت أشرطة »الكاسيت« التي يسجِّلها، والتي تعمل الأوساط الإيرانية المعارضة للشاه على ترويجها في إيران، تحضَّر في العراق وتُرسل إلى الداخل الإيراني.
كان مضمون الخطاب التجديدي الذي عمَّقه الخميني في الفكر الشيعي قد تبنَّى نظرية »ولاية الفقيه« التي تُجيز للشيعة العمل السياسي في فترة »غيبة الإمام المنتظر«، وهي تجديد للنظرية التي حكم العهد الصفوي الشيعي في بلاد فارس (إيران) على أساسها.

بنجاح الثورة الإيرانية بقيادة الخميني كان لا يمكن لرجال الدين الشيعة أن ينخرطوا في ورشة العمل السياسي بقيادة الدولة وتأسيس دولة إسلامية من دون نظرية »ولاية الفقيه«؛ وبهذا الانتصار، وبمثل تلك النظرية اندفعت الثورة الإيرانية إلى تصدير نفسها خارج إيران، خصوصاً بعد إعلان الخميني مبدأ »تصدير الثورة«.

أنعش انتصار الثورة الدينية في إيران، آمال الحركات الدينية السياسية السنية من جانب، وفتح الأبواب أمام الحركات الدينية السياسية الشيعية للعودة إلى الحياة السياسية من جديد. وبمثل تلك البيئة وقف العالم الإسلامي أمام مرحلة جديدة تراجعت فيه القوى العلمانية، وطنية وقومية وماركسية، إلى أكثر حدودها ضعفاً منذ أن تكوَّنت مطلع القرن العشرين، وأسهمت في تراجعها عدة من العوامل منها دعم نظام الرئيس الراحل أنور السادات للحركات الإسلامية عامة كمقدمة لاستقطابها واحتوائها من أجل تمرير صفقة تسوية الصراع العربي الصهيوني، واحتضان بعضها من قبل الإدارات الأميركية لمحاربة الشيوعية، وكان أشدها بروزاً مقاومة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وتوّجت تلك العوامل انتصار الثورة في إيران بقيادة رجال الدين الشيعة.

تعاونت تلك العوامل مجتمعة لتؤسس لحركة إسلامية نشطة تتبادل مواقع القوة التي طبعت جيل الثمانينات من القرن العشرين. وكانت فيها حرب الحركات السياسية الدينية في أوج نشاطها في كل من أفغانستان ضد الوجود السوفييتي، والحرب العراقية الإيرانية التي امتدَّت لثماني سنوات، والساحة اللبنانية حصوصاً بعد أن تعمَّق التناقض بين الحركات القومية والوطنية في لبنان لأكثر من عامل ومؤثِّر.

أطلَّت مرحلة التسعينيات من القرن العشرين وكانت الحرب العراقية الإيرانية قد انتهت بإنهاك العراق وإيران معاً، وانتعشت الحالة الأصولية في أفغانستان بعد انسحاب الجيش السوفييتي من أفغانستان، وبهما حقَّقت الإدارة الأميركية مكسباً رئيساً بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية، فراحت تعد للتدخل المباشر في المنطقة بعد أن أضعفت كل خصومها، واعتبرت أن مناخاً جديداً مهَّد الطريق أمامها من أجل استكمال اكتساح العالم من دون منافس أو مقاومة.

وتحت دخان ذريعة دخول القوات العراقية إلى الكويت بدأت الإدارة الأميركية بتنفيذ مخططها في المنطقة، وراحت تنبش خططها الاستراتيجية الموضوعة في الأدراج تحت بند »قيد التنفيذ«، فكانت مسرحية العدوان الثلاثيني ضد العراق في العام 1991. التي استخدمت فيها الإدارة الأميركية عامل العداء الإيراني للنظام العراقي وغضَّت النظر عن دخول قوات إيرانية إلى الجنوب العراقي من أجل استكمال مرحلة إخراج القوات العراقية من الكويت في إحداث الشغب والفوضى في المنطقة الشيعية من جنوب العراق كمدخل لإضعاف النظام فيه وبداية لتفتيت سياسي واجتماعي وجغرافي من الجنوب يتم استكماله من الشمال الذي تسكنه المعارضة الكردية، فيبقى الوسط العراقي معزولاً عن جنوبه وشماله، فيصبح مؤهلاً لغزو سهل تقوم به القوات الأميركية في أي وقت من الأوقات التي تراها مناسبة لتنفيذه.
أصبحت مرحلة التنفيذ مناسبة وأكثر قرباً من النجاح بعد إخضاع منطقة البلقان – في أوائل القرن الحالي - للنفوذ الأميركي، واحتلال أفغانستان. ولما جاء دور العراق كانت العلاقات الأميركية الإيرانية في أعلى مستويات التناغم والتنسيق، خاصة وقد أثبتت وقائع احتلال أفغانستان مدى مصداقيتها وثباتها.
على طريقة استغلال جهود الآخرين وإهمالهم من بعد استنفاد الأغراض من مساعدتهم، ولمدى التأثير الإيراني في الجنوب العراقي الشيعي، ومستغلة الأطماع والمصالح الإيرانية في العراق تعاونت الإدارة الأميركية مع النظام الإيراني، ورسمت له دوراً أساسياً في العدوان على العراق. وبذلك تكون قد أضعفت المناعة العراقية في شمال العراق وجنوبه، وهذا ما يفسِّر تسرَّعها في دخول الحرب ضد العراق من دون غطاء شرعي دولي أو مشاركة قوات دولية في الحرب، وبمراهناتها على الدور الإيراني في جنوب العراق من جهة والدور الكردي في الشمال من جهة أخرى ما يفسَّر الثقة الكبيرة التي استندت إليها الإدارة الأميركية في التخطيط لكسب الحرب بطريقة سهلة وسريعة.

من نقطة البداية تلك يمكننا أن نفهم طبيعة الجغرافية السياسية الشيعية في جنوب العراق، تلك الجغرافيا التي كان من الصعب فهمها من دون تلك المقدمات. ولنبدأ في محاولة تفسير ما هو غامض في فهم المفاتيح الداخلية للوضع الشيعي في العراق.

بداية لا بُدَّ من توضيح مسألة فكرية دينية وسياسية لها ارتباط مع أسس الفكر الديني أو الرسالة الدينية كتعبير عن إرادة إلهية، وتستند تلك المسألة إلى أن الله عندما أنزل الشرائع السماوية لم ينزلها لقوم دون قوم، بل أنزلها لمصلحة الإنسانية جمعاء، فإبقاؤها من دون تصدير للبشرية يبدو وكأنه مخالف للتعاليم السماوية، لذا تحمل كل دعوة دينية سماوية أسسها الأممية السياسية، ولهذا فبناء دولة دينية عالمية يتناقض مع وجود حدود جغرافية كمفهوم حديث للدولة القومية، وبه يكون من واجب المنتسبين للحركات الدينية السياسية أن يثبتوا ولاءهم لأديانهم ومذاهبهم حتى ولو كان على حساب ولائهم لقومياتهم ودولهم السياسية القومية، فعند تلك الحركات يصبح المبدأ القومي حاجزاً يحول دون العمل من أجل قيام دولة دينية مفتوحة الحدود، ولهذا السبب أعلنت تلك الحركات الإسلامية أن القومية ما وُجِدت إلاَّ لمحاربة الإسلام، وبمثل تلك الأسس الفكرية الدينية لا تعني السيادة الوطنية عند المنتسبين إليها شيئاً، فيصبح مصطلح الخيانة للوطن خالٍ من أي مضمون سياسي أو أخلاقي.

على أرض الواقع العراقي، في أثناء الإعداد للعدوان وبعد الاحتلال، تساوت الحركات السياسية الإسلامية عند السنة والشيعة في مواقفها من العدوان والاحتلال، فانخرطت في ورشة الإعداد وشاركت في تدعيم الاحتلال على كل المستويات السياسية والإدارية والأمنية والعسكرية.

استناداً إليه يمكننا أن نوزِّع التيارات الشيعية في جنوب العراق إلى الفئات التالية:
في مساحة الفضاء التي تفصل بين التيار الداعم للاحتلال الأميركي والتيار المقاوم، يسبح تيار ثالث تتذبذب مواقفه ارتفاعاً أو انخفاضاً لصالح طرفي المعادلة تبعاً لمصلحة من هنا أو مصلحة من هناك.

الأول: التيار الداعم للاحتلال الأميركي في مواجهة المقاومة الوطنية العراقية:

أ- حزب الدعوة الإسلامي. والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية (فيلق بدر).

تعود بدايات تأسيس بعض الحركات والأحزاب الشيعية في العراق إلى العام 1958، إذ أسَّس عدد من المراجع الشيعية ما يُعرَف اليوم بحزب الدعوة الإسلامي، وكان من أهم مؤسسيه محمد حسين فضل الله (الذي كانت تُنسَب إليه الأبوة الروحية لحزب الله اللبناني)، ومحمد باقر الصدر الذي ينتسب إلى عائلة الصدر (عائلة مقتدى الصدر الذي ينطق اليوم باسم تيار شيعي عراقي، ومؤسس جيش المهدي)، وإلى حزب الدعوة تعود جذور إعادة الحياة إلى نظرية »ولاية الفقيه« الذي نقله الخميني في خلال فترة لجوئه السياسي إلى العراق في أواسط الستينيات من القرن العشرين، وبسبب من الخلاف السياسي المستديم بين مُختلَف الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم العراق وحزب الدعوة الإسلامي، وكان آخرها نظام حزب البعث السياسي منذ العام 1968، اتَّخذ حزب الدعوة موقع المعارض الدائم لأي نظام علماني، ولما انتصرت الثورة الإيرانية في العام 1979، انحاز الحزب المذكور إلى تأييد الثورة الإيرانية في حربها ضد العراق على قاعدة تصدير الثورة الشيعية إلى العراق وعلى رأس أهدافها السيطرة على العتبات الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء، بل راح حزب الدعوة يقدم على كل عمل يمس أمن العراق وتهديد سيادته الوطنية، ولكن لأن للحزب اتجاهات في إبقاء المذهب الشيعي تحت قيادة شيعية عربية شكَّلت أسباباً تحول دون احتضانه من قبل الإيرانيين الذين يريدون أن يقودوا المذهب الشيعي، لجأ الإيرانيون منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية إلى تكوين حصتهم الشيعية العراقية التي تدين بالولاء لهم من دون أن تربك خططهم، فاستطاعوا أن يؤسسوا تنظيماً أطلقوا عليه اسم »المجلس الأعلى للثورة الإسلامية«، الذي يتزعمه أبناء محسن الحكيم أحد المراجع الشيعية المعروفة في التاريخ المرجعي للشيعة، وساعد أبناء الحكيم (محمد باقر الذي اغتيل في النجف في العام 2003، وعبد العزيز الذي شارك في مجلس الحكم العراقي الذي أسسته قوات الاحتلال الأميركي) الأميركيين في احتلال العراق، وهم يقدمون لهم المساعدة في إدامته.

استفاد أبناء الحكيم، برعاية ومساعدة من الإيرانيين، من العراقيين ذوي الأصول الإيرانية الذين هربوا إلى إيران في أثناء اشتعال الحرب العراقية الإيرانية، كما استفادوا من الأسرى العراقيين الذين ضعفوا أمام التهديدات الإيرانية أو من الذين طمعوا بمكتسبات مادية وأمنية من خلال تعاونهم مع الإيرانيين، فشكَّلوا حركة سياسية »المجلس الأعلى« وجناحاً عسكرياً تابعاً لها أطلقوا عليه اسم »فيلق بدر« ضموا إليه كل تلك الشرائح التي قمنا بتعدادها قبل قليل.

قطع كل من حزب الدعوة الإسلامي والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية حبال الود مع أي نظام علماني، وبشكل خاص نظام حزب البعث، واختاروا الوقوف في أي خندق معاد له، فارتكبوا الخطيئة الأولى في التعاون مع إيران في الحرب وساعدوها في اختراق الأمن العراقي والسيادة العراقية، وكان آخرها نشرهم الفوضى في جنوب العراق في العام 1991 تحت غطاء العدوان الأميركي، وفيها سقط عشرات آلاف الضحايا من العراقيين في جنوب العراق، اعترف بها محمد باقر الحكيم في وقتها، وللأسف عمدت الأجهزة الإعلامية الأميركية والإيرانية والشيعية العراقية المعادية للنظام، نسب المقابر كمجازر ارتكبها نظام حزب البعث.

إن خطوة الأولى في التعامل مع الإيرانيين شجَّعت التنظيمين المذكورين إلى تكرارها مرة أخرى مع الإعداد الأميركي للعدوان على العراق واحتلاله، وكان موقفهما المعادي من المقاومة العراقية تحصيل حاصل.

ب- النخب العلمانية: (أحمد الجلبي، أياد علاوي وحميد مجيد).

ليس لهذا التيار – باستثناء حميد مجيد - تنظيمات معروفة قبل الاحتلال الأميركي للعراق، بل كانوا أفراداً تركوا العراق لأسباب ملاحقات قانونية لا تمت بصلة إلى ما يبررون به هربهم بسبب ديكتاتورية النظام، فأحمد الجلبي هرب إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل وصول حزب البعث إلى السلطة بسنوات، وكان مُثقَلاً بملف قانوني كبير بتهمة سرقات البنوك في كل من الأردن ولبنان. وهناك وقع فريسة لأجهزة المخابرات الأميركية وقصته أصبحت منتشرة بالتفصيل، وقد أسس بعد العام 1992 حزباً دعاه »المؤتمر الوطني العراقي« ليكون رأس حربة للمعارضة العراقية التي تمَّ تجميعها بشكل مشبوه أو بآخر.

أما أياد علاوي، فقد ترك العراق في أواسط السبعينيات هرباً من تنفيذ حكم قضائي صادر بحقه، وفي الخارج وقع فريسة بين أيدي المخابرات الأمريكية واستخدمته في تنفيذ مخططاتها ضد العراق، وأصبحت قصته منتشرة بمعظم تفاصيلها في الصحافة ومواقع الأنترنت.

وتبقى معارضة حميد مجيد متميزة عن معارضة كل من أحمد الجلبي وأياد علاوي، فحميد مجيد وصل إلى موقع الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، ولسبب أو لآخر ارتاح في أحضان المخابرات الأميركية بعد أن كان قد انحاز إلى جانب إيران في الحرب العراقية الإيرانية، وكان مشاركاً في التخطيط والغزو وفي واجهاته الحاكمة، وقد كشف الشيوعيون العراقيون موقعه الحقيقي واتهموه بخيانة مبادئه ووطنه، وللحصول على معلومات وافية عنه، يمكن مراجعة مصادر »الكادر في الحزب الشيوعي العراقي«.

ج- تيار النخب الشيعية الدينية ذات الأطماع الاقتصادية : (عبد العزيز الخوئي، ومحمد بحر العلوم).

بسبب من ضبابية الموقف بين أولوية الانتماء إلى وطن والانتماء إلى الدين أو المذهب، أو ضبابية العلاقة بين مصلحة الوطن ومصلحة الدين والمذهب، وقع العديد من رجال الدين أسرى ضبابية العلاقة مع النظام العلماني الحاكم،
وإذا ما أضيفت لتلك الضبابية الفكرية السياسية الدينية وقوع البعض في دائرة مذاق حلاوة تجميع الثروات في أثناء لجوئهم إلى الخارج، أو أنهم لجأوا إلى الخارج أصلاً للمحافظة على ثروات استولوا عليها بطريقة غير شرعية أمام الدين والقانون، لاستطعنا أن نضع نموذجين: محمد بحر العلوم وعبد المجيد الخوئي – كرجليْ دين - في مصاف المتعاونين مع الاحتلال، أو استغلال الفرصة من أجل تكديس المزيد من الثروات، لاحتلال موقع وسيط سياسي أو تجاري بين الشركات الكبرى التي ترعى الاحتلال ومصادر الثروات العراقية.

الثاني : التيار الذي يسبح في مساحة الفضاء بين الاحتلال والمقاومة:

أ‌- تيار النخب الاقتصادية والدينية ذات الجذور القومية العربية ويمثِّله مقتدى الصدر:

من مميزات هذا التيار أن من أهدافه المحافظة على الهوية العربية لاتجاهاته في مواجهة الاتجاهات الإيرانية التي تعمل على تنصيب نفسها وصية على الشيعة. ولم تكن هذه المظاهر خاصة بين هذا التيار من الشيعة العراقيين والنظام الإيراني، بل هي ظاهرة أساءت علاقة إيران مع بعض المراجع الشيعية العربية الأخرى،
وإن لم يكن هذا التيار حاسماً موقفه إلى جانب المقاومة العراقية فهو لم يقف موقف المهادن للاحتلال الأميركي، بل وصلت حالة الغليان بينهما إلى مواجهات عسكرية عديدة دامت أسابيع منع فيه مقاتلو جيش المهدي (الذي أسَّسه مقتدى الصدر كممثل لهذا التيار) قوات الاحتلال من الدخول إلى مدينة النجف.

فمن موقفه الوسط الذي لم يرتق إلى الموقف الاستراتيجي في اختيار المقاومة المسلحة، إلاَّ أن تطور الأمور ستجعله يقترب من إعلان هذا الشعار خياراً وحيداً له في الموقف من الاحتلال، وإن كانت بعض القوى المؤثرة فيه مترددة في اختيار المقاومة المسلحة، فإن بعض العوامل –كما نحسب - هي ما تشده إلى تأخير إعلانه تأييد المقاومة المسلحة وممارستها، من أهمها:

- ليس لهذا التيار عمق فكري استراتيجي، بل تتمثَّل فيه ضبابية الرؤية في الإنشداد إلى المذهب أو إلى الوطن، وإن كانت القاعدة الواسعة منه تنشد الدفاع عن الوطن بحكم العرف في تجربة العيش المشترك الطويلة إلاَّ أن البيئة الثقافية التي تُغرق الشيعي الأمي بآمال الخلاص في الآخرة عن طريق المذهب، تُحدِث الكثير من التشويش أمام الشيعي القليل الثقافة في حسم خياراته الصحيحة تجاه الدفاع عن الوطن.

- إن من يمسك بالوضع الأمني في المناطق الشيعية الآن، هو الذي يستطيع التأثير أكثر على مواقف الكتلة الشعبية الأمية الطيبة، وذلك بسبب امتلاكه قوة الحماية الأمنية، فيغطي بها من يشاء ويرفعها عمن يشاء؛ وفي ظل وضع أمني منهار، يستقوي الكثيرون بمن يؤمن لهم الحماية الذاتية، هذا إضافة إلى أن من يملك الحماية الأمنية وُضعت في يده بعض وسائل لقمة العيش، ولأن الجدار الإيراني قد دخل بزخم أمني سياسي مادي إلى المناطق الشيعية، فإنه يترك تأثيرات لا بأس بها في عقول الكثير من عامة الشيعة.
لكن الشيعي العراقي - من المحسوبين على تيار الوسط - ينشدُّ أكثر باتجاه وطنيته وقوميته إذا رُفعت عنه السيوف الأمنية أو المعيشية المسلطة على رقبته، والدليل على هذا وجدنا أنه عندما دعا مقتدى الصدر إلى مقاومة المحتل، وعندما قام بتشكيل تنظيم عسكري (جيش المهدي) استطاع أن يجذب إلى جانبه كتلة شيعية كبيرة شاركت في مقاومة الاحتلال وعملائه، وقد دفعت الكثير من التضحيات في الأرواح والأرزاق.
ستقترب – حسب تقديرنا - مواقف هذا التيار أكثر فأكثر من المقاومة المسلَّحة وممارستها، وبدأت – فعلاً - بتأمين البيئة الصالحة لاحتضان من يقاتلون قوات الاحتلال، وستزداد المواقف اقتراباً من المقاومة كلما عجز الاحتلال عن تأمين الأمن والرغيف للملايين العاطلة عن العمل من جهة، وكلما اطمأنَّ إلى أن ساعد المقاومة أصبح أقوى وأكثر ثباتاً من جهة أخرى.

ب‌- السيستاني والحوزة العلمية الشيعية العربية :

لا يزال السيستاني، المرجع الشيعي الأعلى، من المنتسبين إلى الفكر الشيعي التقليدي أي الفكر الذي لا يجيز للشيعة العمل على بناء دولة شيعية قبل ظهور المهدي المنتظر، وقد فاجأته المتغيرات التي فرضها الاحتلال بعد إسقاط السلطة السابقة، وكان السيستاني، كما المرجعيات الشيعية التي تتمسَّك بالأصول المعرفية الشيعية التقليدية، متأقلماً مع قوانين السلطات السابقة للاحتلال، بحيث أن المرجعية لم تكن بحاجة إلى اتخاذ مواقف سياسية، بل ظلَّت تمارس واجبها التقليدي في الفتوى بالشأن الديني للمذهب، ولما دخل عامل الاحتلال كمتغير جديد جرَّ معه الكثير من التداعيات، من أهمها أنه جعل المرجعية الشيعية في مواجهة مباشرة مع مراجع التجديد الإيرانية التي تدين لفكر »ولاية الفقيه« بالطاعة والإذعان وتنفيذ تكليفاتها الشرعية، خاصة وأنها دخلت الساحة العراقية بقوة الأمن والسلاح والمال بعد الاحتلال، بينما كان نشاطها محظوراً في السابق، ولم تكن تشكل عبئاً مباشراً على المرجعية الشيعية التقليدية.

منذ تلك اللحظة ظهرت للعيان، وبشكل خاص لدى السيستاني كمرجعية أعلى، حجم التناقضات التي تنغرس في الجسم المذهبي الشيعي، وبعد أن كان يلعب دور الحكم في حسم الفتوى ذات العلاقة بشؤون المذهب الداخلية أصبح عرضة للخصومة والتشكيك بمرجعيته من قبل هذا التيار أو ذاك، فكان يمر، وهو لا يزال يمر، بأكثر المواقف حرجاً، فهو يعاني مختلف أنواع الإحراج: الصراعات بين واقع التقليد والتجديد على الصعيد الفكري بين تحريم العمل السياسي أو تحريم الابتعاد عنه، والصراعات حول تسليم المرجعية للإيرانيين أو الدفاع عن موقعها العربي، والصراعات حول الولاء للمذهب والوقوف إلى جانب الاحتلال، أو الولاء للوطن الذي يترنَّح تحت ضغوط أكثر من عامل خارجي يعمل على استغلاله والاستفادة من تمزيقه.
كثيرة هي العوامل التي تضغط على موقع السيستاني كمرجعية دينية، وجدت نفسها في وسطها وهي لم تستعد لمواجهة هكذا مشاكل بالنوع والكمية، ونحن نرى أنه ليس بمقدور المرجعية أن تجد أجوبة واضحة وحاسمة لهذا الكم من المشاكل وذلك النوع من الانقسام العمودي في الصف الشيعي العراقي، بل ستظل المرجعية تمارس دور المجاملات والتوفيق بين كل التيارات والمشاكل إلى أن يثبت وجه واضح لما سترسو عليه الحالة العامة للعراق.

وفي ظل غياب الحسم في وضع أسس معرفية شيعية متجددة تجيب على كل الإشكاليات التي تعيق انتقال الفكر الشيعي من التقليد إلى مواجهة متغيرات العصر، ومن أهمها دخول القومية كمفهوم فكري وسياسي، نرى أن مواقف المرجعية الشيعية ستظل تدور في دوامة الفعل ورد الفعل، أي ما تثيره التناقضات في التكوين الشيعي من خلافات حادة في هذا الجانب أو ذاك.

كلما ازدادت أخطاء الاحتلال، وهي ستزداد حتماً لأسباب عديدة، ستترافق مع ارتفاع موجات النقمة الشيعية ضده، وستقود حالة التراكم تلك إلى زيادة في حجم الشعور الوطني لدى القواعد الشيعية الواسعة، باستثناء تلك التي لن تتضرر من أخطاء الاحتلال بشكل مباشر. والزيادة في عوامل النقمة ستجعل الشيعي أكثر قرباً من المقاومة العراقية، أو على الأقل أكثر قرباً من الزعامة الشيعية التي تقف في موقع الأكثر رفضاً للاحتلال. وفي مثل تلك الحالة ستضعف مواقع المؤيدين للاحتلال وستكون المرجعية في الموقع الذي عليه أن ينحاز إلى الصف المقاوم، ويصبح الأقرب إلى إصدار الفتوى بالجهاد.

من هنا نحسب أن التجربة العراقية في ظل البيئة الفكرية التي لم تحسم لمن تكون أولوية الولاء (للمذهب أم للوطن)، ستبقى إشكالية ماثلة في ذهن المراجع الدينية الشيعية، فهي لن تستطيع أن تبقى مكتوفة الأيدي تقف في موقع المحايد بين الوطن والمذهب، وسترى نفسها معنية ومسؤولة عن التفتيش عن حلول لها. وإلا ستكون النتيجة في أن التجديد في الفكر السياسي الشيعي الذي دخل بواسطة حصان »ولاية الفقيه« سيبقى معرَّضاً للقصور الشديد في معالجة طبيعة العلاقة بين المذهب والدين من جهة، والعلاقة بين الدين والقومية من جهة أخرى.

الثالث : التيار المقاوم للاحتلال

أ‌- التيار العلماني وليد للأحزاب القومية والماركسية المؤيد للمقاومة العراقية والمشارك فيها.

سواء كانت أسس المعرفة الشيعية تقليدية أم تجديدية فهي عرضة للثغرات والنقد من النخب الشيعية المثقفة، ممن تحمَّلت مهمة مسؤولية أفعالها الذاتية واجتهادها الذاتي، ولما كانت النخبة عددياً هي الأقل فإن سرعة التغيير سوف تكون بطيئة، والوسط الذي سيقود التغيير سيكون الأقل مساحة. وهكذا ابتدأت تجربة الأحزاب العلمانية في العراق في الوسط الديني عامة، ومنه الوسط الشيعي بشكل خاص. ولما تعددت الأحزاب العلمانية، ساد التنافس الفئوي بينها على حساب قضايا التغيير الكبرى. فتحكَّمت الفئوية بعلاقاتها التي كانت –على الأغلب الأعم- علاقات توتر واحتراب. فكان المستفيد الأكبر هي التنظيمات الدينية السياسية لأنها كانت تغرف من بحر، في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب الحديثة تنحت من صخر.
كانت حالة الاحتراب المتبادَل بين الأحزاب تتم على حساب رسالتها في حفر البنى الثقافية الشعبية السائدة ونقدها والتجديد فيها. وهذه مسألة من أهم مهمات أي نظام ديموقراطي مستقبلي ستفرزه المقاومة العراقية لتأخذه بعين الاهتمام القصوى من أجل المساعدة في بناء ثقافة قاعدية شعبية على أسس جديدة تتناسب مع مرحلة الدولة القومية الحديثة.

على قاعدة التمهيد أعلاه، فوجِئت الحركة اليسارية، قومية وماركسية، بما حصل في العراق خصوصاً في البيئة الشيعية. ووجدت نفسها أمام تيار شعبي واسع واقع تحت الاحتلال مجرَّد من ثقافة وطنية معمَّقة، لكن ما أسهم في مهمتها هو أن القاعدة الثقافية كانت قد اكتسبت بحكم تجربة التعايش المشترك بين الأديان والمذاهب الكثير من الأعراف الوطنية، وتعمَّق الشعور الوطني في وعيها.

تجاوزت بعض التيارات العلمانية العراقية خصومات الماضي وانخرطت في ورشة المقاومة الوطنية العراقية، وتناسقت جهودها وتكاملت في معظم الحقول الداعمة لرفض الاحتلال ومقاومته.

لقد حصل فرز بين القواعد التي تدين بثقافتها للأسس الدينية العامة وتلك الحركات الدينية السياسية التي تواطأت مع الاحتلال وتعاونت معه، تخطيطاً وإعداداً وتنفيذاً، وكما أنه لم يكن للتعامل مع الاحتلال لون سياسي أو مذهب ديني، لم تكن المقاومة العراقية ذات لون واحد أو دين واحد، لذا نرى بين صفوفها البعثي والناصري والشيوعي أو القوى والشخصيات ذات الثقافة القومية والماركسية، كما نرى بينها الشيعي والسني والمسيحي، كما نرى العربي والكردي والتركماني والآشوري…
فإذا كانت الحركات السياسية الدينية صافية بانتسابها لمذهب واحد أو دين واحد، كما أن الحركات السياسية العرقية صافية بانتسابها إلى عرق واحد، فإن الحركات القومية والوطنية العلمانية تضم إليها مختلف الأطياف والألوان من الانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي، ولهذا من الصعوبة بمكان أن ننسب الشيوعي أو الناصري إلى مذهب أو دين أو عرق، ولهذا السبب نرى من الصعب أيضاً أن نتكلم عن بعثي شيعي أو سني عربي أو كردي أو تركماني أو آشوري.

أما فيما له علاقة بدارسة عن الشيعة فإننا نرى أن التيار المقاوم في البيئة الشيعية، هو من الملاحَقين والمطاردين من قبل الاحتلال وعملاؤه، اغتيالاً واعتقالاً وتشريداً، أما تعدادهم فيصل إلى عشرات الآلاف بين عدة ملايين، وإذا كان البعض يقاوم، فإنما تتم مقاومتهم بغير غطاء شعبي يستطيع تأمين سبل الحركة الآمنة، لكثافة انتشار الميليشيات المحلية العميلة التي تعفي مخابرات الاحتلال من القيام بعبء ملاحقتهم، فهي وكيلة عنها لإلحاق صنوف التضييق حولهم وحول عائلاتهم، وإذا كانت عمليات المقاومة قليلة في تلك البيئة، على الرغم من نوعيتها وتأثيرها، فلا يعني أن أعداد من يريدون أن يقاتلوا بالقليل، وسوف تتكاثر تلك العمليات كماً ونوعاً كلما باتت البيئة أكثر ملاءمة لحركة المقاتل، وتتوفَّر بفعل عاملين: الأول مدى الضعف المتوقَّع الذي سيلحق بالميليشيات التي تساعد احتلالاً لا يوفِّر الأمن والرغيف من جهة، ومدى تعميق مأزق الاحتلال ومأزق عملائه من جهة أخرى، وما سوف يساعد على تعميقهما، هو أن تراكم حالة الاحتقان الشعبي في الشارع الشيعي في الجنوب سيزيد من مساحة احتضان المقاومين، ومساعدتهم في إيجاد بيئة أمنية كفيلة بتكسير العوائق أمامهم.


Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.