... لم يبك رئيس وزراء بريطانيا الراحل ونستون تشرشل بلده المنكوب بكل ما للكلمة من معنى امام الهجوم الألماني عليها، بل وقف ليقول بأنه سيصمد ويدافع عنها حتى لو دمرت كلها، لينتصر في النهاية.. ولدى سؤال احدهم له وهو شارد الذهن يفكر، بماذا تفكر في هذه اللحظات العصيبة؟ أجاب بأنه يتخيل بريطانيا كيف سيكون شكلها بعد مئة عام؟!. حضرتني هذه الحادثة القديمة، وهذا الموقف البطولي، لدى رؤيتي وقفة ابتسام والدة الشهيد مكسيم وهي تقول على احدى شاشات التلفزة في حلقة خاصة صورت في قلعة بعلبك، بانها رفضت ان تتقبل العزاء بولدها الوحيد، لا بل انها أصرت على استبدال القهوة العربية التي تقدم في مثل هذه المناسبات والتي يتقن صنعها زوجها المختار حسين بالشراب الذي يقدم عادة في الاعراس وفي المناسبات السعيدة. لم تكتف ابتسام بذلك، بل اردفت تقول وهي منتصبة القامة مثل اعمدة القلعة الستة بأنها لن تذرف الدموع على شهيدها ابن الستة عشر عاما كي لا يشاهدها رئيس وزراء العدو اولمرت او بما يحلو لها ان تسميه <مش اول مرت>، لانها قوية ولان المعركة تستوجب ذلك. عندما قصدت متأخرا عدة ايام منزل المختار حسين في بلدة الجمالية التي غاب اسمها الحقيقي عن وسائل الاعلام الرسمية والخاصة، وهي التي تعرف رسميا ببلدة (وادي الصفا الشرقي)، لتهنئتهم بسلامة من نجا من المجزرة، كنت خجلا من نفسي لاني جئت متأخرا، وكنت وانا في الطريق من بيروت اتخيل كيفية استقبالهم لي وانا الذي امت بصلة قرابة قوية لهم ولم اقم بالواجب مثلما تقضي العادات العائلية، او حتى مثلما يقتضيه الواجب الانساني في مثل هذه الظروف. وكنت اتساءل: هل ان زيارتي ستفتح باب الالم والذكريات من جديد؟ ام هل سيستقبلونني بجفاء وعتب؟ كون عائلات البقاع لا تلوم شخصا لا يحضر افراحها بقدر ما تلومه على عدم مشاركتها اتراحهما. هل وهل وهل الى ان وصلت.. فوجئت، حتى لا اقول ذهلت. فما ان وقفت السيارة امام باب البيت، حتى هب المختار من مجلسه ومن معه في <الجنينة تحت العريشة> مكان استشهاد ولده، يستقبلنا بابتسامته المعهودة التي رغم الخسائر الفادحة ظلت علامة فارقة لا تفارق محياه، ليبادر ويسألنا: ماذا تودون ان تشربوا؟! لدينا كل انواع الشراب: عصير، قهوة، الى آخر المعزوفة من الضيافة لتنتهي بشراب <النسكافيه> الدخيل على ضيافة اهل تلك القرى. يبادر المختار مخترقا صمتنا الطويل كأنه اراد ان يموه عنا بالسؤال والاطمئنان الى احوالنا <ان شاء الله ما حدا تأذى في بيروت>، لينتقل الى الحديث الذي بات بمثابة الخبز اليومي للناس وهو الحديث عن همجية <اسرائيل> وجرائمها التي طاولت كل اللبنانيين. ولدى سؤالنا عن كيفية حصول المجزرة اجاب ببرودته المعهودة بان ولده مكسيم وشقيقه عوض وابن شقيقه والآخرين الذين سقطوا معهم شهداء، هم فداء هذا الوطن، وبان هذه التضحية الكبيرة هي تضحية علينا ان ندفعها مثلما تدفعها قرى اخرى، فنحن لسنا افضل من غيرنا... يظهر توجسه وخوفه من ان يضيع هذا النصر في الأقبية الدبلوماسية وفي البازار السياسي الحاصل في البلد الذي يقتل مرة اخرى هؤلاء الشهداء بالأصوات النشاز والاقلام الصفراء التي تبخس هؤلاء الابطال وهؤلاء المقاومين نصرهم ودماءهم وجراحاتهم. خرجت من عند المختار وانا اتساءل من اي معدن جبل هؤلاء؟! الذين لم تهزهم وتأخذ من عزيمتهم شهادة فلذات اكبادهم، وآخرين؟! المشهد الثاني توجهت الى قريتي الاخرى مقنه لحضور ذكرى اسبوع الشهيد غسان، لأفاجأ بالحشد الكبير الذي لم تتسع له دار الحسينية. جلست مع الجالسين استمع للخطباء الذين توالوا على الكلام الذي سمعت وقرأت الكثير مثله حتى أخذ مني الملل والضيق من الجلوس في مكاني الذي لا اقدر على النزوح منه الى مقعد آخر، حتى صعد عريف المنبر ليقول باننا سنستمع الآن لوصية الشهيد ساجد، وهو الاسم الحركي لغسان. قدرت ان هذه الوصية أعدت سلفا وهي ما تقتضيها مثل هذه المناسبات، ليقطع العريف حبل الشكوك والظنون ويكمل بان تلك الوصية سنسمعها بصوت الشهيد مسجلة على كاسيت، نعم مسجلة!! لقد سجلها الشهيد وهو يخوض معركته في الجنوب. ما هي الا لحظات حتى انتشلني من مللي وضيقي وتأففي هدير صوت الشهيد بنبرته العالية التي تطغى على ضجيج واصوات المعارك. يقول فيها مخاطبا رفاقه الشهداء الذين سبقوه بأنه يتمنى دوما ان يحذو حذوهم وان ينال الشهادة التي لم يدر وهو يسجل كلماته انها، في تلك اللحظات، تكمن له بالانتظار في احدى قرى الجنوب. يتابع الشهيد بصوته الأجش القوي الذي تضفي عليه لعثمته بحرف السين لطفا وهدوءا يحث رفاقه واخوته ومواطنيه على حفظ المقاومة مثلما حفظها هو، وعلى متابعة الطريق لنيل النصر او الشهادة، ليختم كلمته بالاعتذار عن متابعة الكلام لانه تأخر عن بندقيته وعن واجبه. ذهول.. سكون.. لا عجب.. الغصة أخذت مني وتملكت من حلقي مثل القابض على عنقي. العينان اغرورقتا بالدمع الذي لم يجرؤ على الانحدار، ليس خجلا من رجولتي، لكن خوفا من ان تكون ام الشهيد مكسيم حاضرة معنا في مجلسنا لتسألني لماذا ابكي وانا الذي لم افقد ملكا ولا عزيزا ولا ولدا!! في طريق العودة الى بيروت، حزن كبير لم تقدر لعثمات الطفل <رواد> ابن السنوات الثلاث وهو يقول (الله يهد جبرك يا اسرائيل) مستبدلا حرف الجيم بحرف الزين من ان ترسم البسمة، او ان تمحو صور الدمار المزروعة على الطريق الاسئلة العديدة التي تأخذ مني حيرة وضياعا لماذا لم يذكر غسان ذويه في وصيته؟ لماذا لم يخص اولاده وحتى زوجته بكلمة وداع تعينهم على لوعة الغياب وحسرة الالم وقسوة الزمن. اسئلة لم ترسم مخيلتي لها جوابا سوى ايمان غسان بان الاوطان هي اغلى واثمن من المهج والارواح، وبأن الوصية والارث والكلمات التي يتركها لذويه واولاده وزوجته ومواطنيه هي ارث، لا بل كنز من نوع آخر. كنز لا يصرف في مصارف المال، ولا تعرفه البورصة. انه كنز صاغ كلماته بدمه الاحمر، وبوجهه المعفر بالتراب، كنز الانتصار، انتصار وطن وشعب، وطن يعيش فيه اولاد غسان بالعزة والكرامة والإباء. كنز من المؤكد انه بات اليوم لا يعني شيئا في قاموسنا الاميركي <العوكري> الجديد المليء بالذل والهوان والتآمر، وفي قاموس اصحاب التحليل والتنظير في الغرف والصالونات المكيفة وفي غرف اصحاب الاقلام المأجورة التي تغزر انتاجا لتحول نصر غسان ومكسيم الى هزيمة من خلال استباحتها وبخسها وازدرائها بتضحيات ودماء هؤلاء الابطال. ختاما.. عذرا ام مكسيم وعذرا ام غسان.. لقد اثبتما بانكما الرجال الرجال، وباننا اناس صغار محكومون بان نعيش في الذل والهوان في بلد ارتضينا فيه حكم اشباه الرجال، ننزوي في زواياه المعتمة نبكي وطنا لم نحافظ عليه مثل الرجال، ونرى النصر والفخار وليمة على مأدبة اللئام. الى مكسيم وغسان والى كل الشهداء عذرا، لست اجد سوى هذه الكلمات اقدمها تعبيرا عن عجزي وشللي. ? مكسيم حسين جمال الدين، استشهد في القصف على بلدة <الجمالية> اثناء عملية انزال الكوموندوس الصهيوني على مستشفى دار الحكمة في البقاع. غسان جميل جبق، استشهد في خطوط المواجهة الامامية مع العدو الصهيوني في الجنوب.
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.