حتى بداية الحرب اللبنانية التي اندلعت عام 1975كانت عبارة "الطائفية" هي السائدة في الخطاب السياسي اللبناني، كما في العصبيات الشعبية. فاللبنانيون الموزعون على طائفتين دينيتين هما المسيحية والإسلام، كانوا مختلفين حول حصص السلطة ومغانمها. وكان لكل طائفة منهما أسبابها الموجبة للمطالبة إما بالاحتفاظ بما لديها، وإما للمطالبة بالزيادة. فالمسيحيون كانوا يقولون انهم كأقلية يشعرون بالخوف ولذلك يتشبثون بما لديهم من وظائف وسلطات، والمسلمون كانوا يُدلون بالغبن ويطالبون بإزالته عن طريق إعطائهم المزيد من الوظائف والسلطات. وكانت "الطائفية" هي المحرّك أو الدافع لكلتيهما. فالمسلم كان يشعر انه مسلم، لا سني ولا شيعي، والمسيحي كان مسيحياً، سواء كان منتسباً إلى هذه الملّة أو تلك.
ولكن الوضع تغير بعد ان انتهت الحرب اللبنانية عملياً عام 1990فالانقسام اللبناني شهد صورة جديدة، غير صورة الانقسام المسلم والمسيحي التي اشرنا إليها هي صورة الانقسام داخل الفريق نفسه، وهي ما يصطلح على تسميته "بالمذهبية". وإذا كان هذا الانقسام قد جاء محدوداً داخل الطائفة المسيحية نظراً لتراجعها الشديد في ثلث القرن الماضي وشعورها بالحاجة إلى التوحد مجتمعة، فإنه جاء حاداً داخل الطائفة الإسلامية التي كانت موحدة حتى عشية الثورة الايرانية. صحيح ان الإمام موسى الصدر الذي بدأ بتوحيد صفوف الشيعة اللبنانيين، جاء من إيران، إلا أن ايران الشاه محمد رضا بهلوي التي قدم منها، كانت مختلفة عن إيران الإمام الخميني. كما أن حركة الإمام موسى الصدر كانت حركة معتدلة ومطلبية بالدرجة الأولى، لا حركة ملحة على الأيديولوجيا والتمايز والاختلاف بين المسلمين. وكل ذلك تغير بعد ذلك لتصبح المذهبية داخل الدين الواحد هي بؤرة التوتر التي يجري التركيز عليها. فالمذهب، وليس أي شيء آخر، هو العصبية التي يلتف الناس حولها، ولا عصبية أخرى.
لقد غابت عبارات وشعارات ورؤى كانت على الدوام هدف النُخب العربية والإسلامية، مثل وحدة الإسلام ووحدة المسلمين، والرابطة الإسلامية، وإسلام بلا مذاهب، وهو شعار اطلقه مرة أحد الإسلاميين المستنيرين هدفه التقريب بين المذاهب الإسلامية، بعد أن عزت أو صعبت الوحدة بينهم.
على ان الإنصاف يقتضينا البحث عن مصادر أخرى، غير ايران، لتفشي هذا الداء اللبناني. فما يجري في العراق منذ سنوات من تطاحن بين مكونات الشعب العراقي، يقدم حطباً جديداً لفرن المذهبية. وهناك جهات أخرى في المشرق العربي تحرص على ان يظل هذا الفرن مستعراً. ولا ننسى إسرائيل بالطبع. ولا ننسى التخلف وابتكاراته وتناسل صوره وكلها عوامل من شأنها ضخ مزيد من اللهيب في هذا الفرن الذي لا يرحم، والذي يصوّر لمن يصطلي على ناره، ان ناره مقدسة، وان من يذهب ضحية هذه النار، يرث الأرض ومن عليها كما يرث الحياة الأخرى. ولاشك ان المملكة العربية السعودية هي التي تنبهت أكثر من سواها، إلى خطورة ما يحدث في لبنان وفي المنطقة، فعملت، وتعمل، على اطفاء هذه النار التي تعيد إلى الذاكرة الفتنة في تاريخ الإسلام.
والغريب، وغير المفاجئ في آن، ان المذهبية المعاصرة تعود إلى صفحات الفتنة تلك وتبدأ منها، مع أن تلك الصفحات صفحات سياسية في جوهرها لا صفحات دينية. لقد كانت في الواقع صراعاً على السلطة بين فريقين وجد كل منهما انه الأحق بالسلطة، فربح من ربح وخسر من خسر، وكان يُفترض ان ينتهي الأمر عند هذا الحد، وينصرف الجميع إلى شؤون أخرى تجمع المسلمين وتتوخى مصالحهم العليا. ولكن الأمر لم ينته، بل كبر وتوسع مع الوقت وجرى بناؤه على أسس ونظريات وما أن كان يضعف مع الوقت، في هذه المرحلة أو تلك، حتى كان يقيض له من ينفخ النار فيه، أو يدعو إلى الجهاد في سبيله. والواقع أن الموضوع برمته عبارة عن جرح بالغ الإيلام في تراثنا وفي واقعنا على السواء، ينبغي أن يتوفر الباحثون والدارسون والمفكرون، والنخب على أنواعهم، عليه لمعالجته وايجاد الأدوية الشافية له.
وإلى أن يتم ذلك على النحو المرتجى، فلابد من تشخيص هذا الداء كما يمكن أن يشاهد أو يلتمس بالعين المجردة، سواء في لبنان أو في العراق، أو سواهما من دول المنطقة. فالمذهبية هي سياسة أكثر مما هي دين. أو لنقل إن علاقتها بالدين علاقة هشة لا علاقة عضوية. انها تتكئ على الدين لاستغلاله لا للانتفاع بصيدليته التي لها عنوان واحد لا غير هو الرحمة. المذهبية لا ترحم أحداً بمن فيهم أصحابها أنفسهم. فكما انها تفتك بنفس صاحبها لتحولها إلى أداة طيعة للحقد والتعصب والانغلاق، تدفع بصاحبها ايضاً للفتك بالآخر على أساس انه خصم أو عدو، في حين انه شريك في الايمان وفي الوطن. ان نفس المذهبي مستنفرة على الدوام، ومعها السلاح والخندق والمتراس، للانتقام وإعادة تشكيل التاريخ من جديد وفق ما تشتهيه النفس المأزومة، والشحن الخارجي من وراء الحدود.
عند المذهبي، مذهبه وحده على حق، أما المذاهب الأخرى، وهي في الإسلام رحمة، فإنها خطأ مطلق، وشرّ مطلق. انه تكفيري بداية، فإن لم يعلن التكفير جهاراً نهاراً، فإنه يبطنه في داخله. فهو قد يهادن، ولكنه لا ينسى ولا يغفر.
المذهبية صورة من صور الضيق في الذات، أو فقدان الانفراج. إنها نموذج صارخ لما يسميه علماء النفس "بالفكرة الثابتة"، وكذلك "بالفكرة/ القوة" التي تدمر صاحبها كما تدمر، إذا استطاعت، من حولها ايضاً، وهنا مكمن خطورتها. ذلك أن صاحبها مستعد أن يهدر دمه دفاعاً عما يؤمن به، لأن في يقينه انه بذلك يحقق الشهادة، وهي غاية المنى بالنسبة إليه.
وإذا كانت المذهبية ضد روح الدين وما يحض عليه من سماحة وسعة أفق وصدر، فإنها بنفس القدر ضد روح العصر وما يموج به من رؤى وأفكار تلح على التنوع وتعدد السبل والنوازع والمناحي. إنها رفض صريح لقيم العصر وثقافاته وحضاراته، وتقوقع داخل صفحات غابرة عفى عليها الزمن لا لأخذ العبّر والدروس، وإنما لتزويد النفس بما تحتاجه من تعذيب ومازوخية، وبما تتوق إليه من ثأر آت بنظرها لا ريب فيه.
واستناداً إلى كل ذلك، فليس في معجم المذهبية صفحة واحدة للرأي أو باب للاجتهاد. فالرأي قديم ومتواتر ومأثور وأكيد وثابت. أما الاجتهاد فلا لزوم لإعماله لأنه باب مشرّع على العواصف. والمعجم من أول صفحة فيه إلى آخر صفحة هو معجم فئة أو ملة أو نحلة، لا معجم للإسلام أو للجماعة الإسلامية. فالإسلام هو السماحة والرأي والاجتهاد، ومن شرّفه الله به يُفترض أن يعمل على وحدة المؤمنين به، لا على تمايزهم وانفصالهم وتشتتهم.
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.