Full Version : مرشد الجمهوريّة (والمتفاهم عون)
lebanon4all >>أرشيف الصحافة والوثائق >>مرشد الجمهوريّة (والمتفاهم عون)


<< Prev | Next >>

sawama- 01-07-2007
مرشد الجمهوريّة (والمتفاهم عون)

حازم صاغيّة

الحياة 16/09/2006

حين يستأنف اللبنانيّون سجالهم على النحو الذي كأنه قبل الحرب، ويضيفون إليه مزيداً من الحدّة، نكون أمام حقائق جديدة وخطيرة. واحدى هذه الحقائق ان «قتال اسرائيل» لم يعد بذاته لحظة قطع مع التاريخ، ولا عملة تُصرف في الأسواق جميعاً. فالذي «يقاتل اسرائيل» لا يغفر له قتاله ما يراه خصومه ذنوباً فيه أو عيوباً. أما مؤيّدوه فلا يفعل «قتال اسرائيل» غير اضافة حجّة الى الحجج التي يوردونها في معرض تأييده.

وهذا ما يعني، من ناحية أخرى، أن الإنشقاق الأهليّ بين اللبنانيّين غدا أكبر من أن تموّهه «القضيّة القوميّة»، أو ما يُسمى هكذا. لكنّه يعني ايضاً ان القضيّة المذكورة، ولكثرة ما أسيء استخدامها، خسرت طابعها التحريميّ ولم تعد كافية لتنصيب رمزها زعامةً منزّهة على اللبنانيّين أجمعين.

وهو ما عبّر عن نفسه في أن لبنانيّين كثيرين لم يعثروا في الحرب إلاّ على الخراب والتدمير، وفي أن لبنانيّين كثيرين صاروا بعد الحرب أكثر توجّساً وخوفاً حيال اقتراب العلاقات المذهبية من فوهة البركان. وغنيّ عن القول ان في ذلك ما يجافي الافتراض النظريّ البسيط الذي يقول ان «قتال اسرائيل» يوحّد الجميع، وفيه أيضاً ما يستدعي حكمة استثنائيّة وبُعداً عن لغة الشحن والتعبئة، وطبعاً ضرورة ألاّ يكون طرف لبنانيّ مسلّح وأطراف عزلاء.

بيد ان «حزب الله» يتصرّف تصرّف من يبيع عملة سورية خارج الحدود السوريّة، غير مدرك أن العملة السوريّة لا تقبل الصرف أبعد من القامشلي. فهو يصدّق أكذوبة الوظيفة القوميّة ثم يطالب الآخرين بمعاملته على هذا الأساس بحيث يكرّمونه بزعامة منزّهة على اللبنانيّين أجمعين لمجرّد انه «قاتل اسرائيل».

وهذا، على الأقلّ، ما توحي به الإطلالة التلفزيونيّة الأخيرة لحسن نصر الله، حيث استفزّ كلّ من مسّته الكرامة الفرديّة مسّاً خفيفاً وكلّ من شمّ رائحة الحريّة والديموقراطيّة عن بُعد بعيد.

فأمين عام «حزب الله» يقرّر، بإفراط وعتوّ، ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز، موزّعاً الرتب والنياشين، مصنّفاً ومخوّناً، مُنهياً فترات سماح، مبتدئاً أخرى، موزّعاً الشهادات والجوائز، تماماً كما لو أنه مرشد الجمهوريّة اللبنانيّة التي لا تزال في غيّها تعمه. أما الناطقون بلسانه فيتحدّثون عن الأحذية والكعوب في معرض التطرّق الى نقّادهم، مقدّمين عيّنات فصيحة عن فهمهم السياسةَ والعلاقةَ بالآخر والمختلف.

ولا شكّ في أن نصر الله وجد، ويجد، مصفّقين ومطبّلين كثيرين، كما وجد متفاهماً (لا متحالفاً) كميشال عون يعزّز انطباعه ويزيده اقتناعاً بأنه مرشد الجمهوريّة. وما لا شكّ فيه ايضاً ان «قتال اسرائيل» لا زال حجّة تسري على الذين سرت عليهم الحجّة في 1948 و1956 و1967 و1973 و1982 وسوف تبقى تسري عليهم الى يوم الدين.

لكن اللبنانيّين ليسوا جميعاً تحت خطّ الذكاء على النحو الذي يبديه المتفاهم ميشال عون. وطبعاً ليسوا كلّهم طامعين برئاسة موهومة، تُطلب بأيّ ثمن كان، كما هي حال المتفاهم عون. فهؤلاء مرّ عليهم كثيرون كان أنصارهم يرفعونهم الى سويّة الأنبياء فيما ظلّ لهم خصوم ينتقدونهم حتى التشهير. يصحّ هذا في فؤاد شهاب وكمال جنبلاط وموسى الصدر وبشير الجميل ورفيق الحريري ممن تحمّل واحدهم ما هو أكبر بكثير من برنامج تلفزيونيّ ساخر. وقد صحّ أيضاً في جمال عبد الناصر وآية الله الخميني وغيرهما ممن فهموا ان تاريخ هذا البلد لا يبدأ من صفر ولا يؤسّسه مؤسّس من عدم.

فميزة هذه الجمهوريّة التي قامت على الحريّة، وكانت ملاذاً للمضطهَدين الهاربين من أنظمة اللون الواحد والحقيقة الواحد، انها جمهوريّة بلا مرشد، وانها حين تعيّن مرشداً لها، أكان «شفّافاً» أم لم يكن، تكفّ عن أن تكون الجمهوريّة اللبنانيّة.



Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.