من نابوليون، الى هتلر، الى عبد الناصر، في الاستراتيجية قاعدة أو نصيحة معروفة: جنرالات الحرب والسياسة الذين يحاربون على جبهتين يخسرون الحروب. هناك جنرال آخر لا يسمع النصيحة. الجنرال ميشال عون معجب بالجنرال ديغول. جنرال الحرب والسياسة ينسى سر نجاح ديغول. خاض جنرال فرنسا حربا على جبهة واحدة. حارب المانيا ثم صالحها ليبني معها وحدة أوروبا.
من حسن حظ العالم أن حروب الجنرال عون محلية، وإلا لأهلك عون الكون. جنرال يحارب على كل الجبهات والزواريب اللبنانية: حروب مع موارنة الحكومة. حروب مع دروز جنبلاط. مبارزة بالسيف مع السنيورة. حرب مع سنة الحريري. حرب مع «قوات» جعجع. حرب مع كتائب الجميل. حرب مقدسة صامتة مع البطريرك. حرب أطلسية مع كوندوليزا أميركا، وأخرى فرانكفونية مع فرنسا شيراك (لأنه اختصر علاقة فرنسا بلبنان بعلاقته مع آل الحريري).
من حسن حظ لبنان أن عون جنرال بلا عسكر. لا يملك ميليشيا مقتدى الصدر. جنرال الوغى يحاصر قصر السنيورة (السراي) بميليشيا حسن حزب الله. لا سلم إلا باستسلام حكومة تهرهر (يعني تهترئ) بلا قيد أو شرط لجيش المهدي في لبنان.
حلف عون مع «حزب الله» لغز كبير يحير اللبنانيين. أقول إن هذه العلاقة المخالفة لطبيعة التحالفات اللبنانية لا يمكن تفسيرها قبل التماس فهم علاقة عون الغامضة مع سورية. وأكشف هنا عن رواية ينفيها عون بشدة. تقول الرواية ان ضابطا مخابراتيا سوريا كبيرا رتب مع الجنرال عون في منفاه الفرنسي عودته الى لبنان.
لم يحن بعد موعد الكشف عن تفاصيل الرواية أو اسم الضابط السوري. وأحرص على وصفها بـ «الرواية» كيلا يظن «مون جنرال» اني عازم على خوض حرب ضده، إنما أقول إن سورية شعرت بالحاجة الى زعيم ماروني كبير تخترق به جبهة الساسة الموارنة المتحالفين مع سنة الحريري الراحل بعد خلافه مع سورية.
سهولة عودة عون من المنفى بتأمينه وإسقاط ملاحقته قضائيا بتهمة الاساءة لدولة شقيقة (سورية)، ثم حلفه مع «حزب الله»، وحربه الجهادية معه لإسقاط حكومة السنيورة المضادة لسورية... كل ذلك يمنح الرواية مصداقية كبيرة.
لكل تسوية في السياسة ثمن. بديهي أن لا يكتفي عون بمجرد منحه «أمان» العودة. لعل ارضاء طموحه الرئاسي بتعهد سوري/شيعي بتأييده أو توصيله كان عامل الإغراء الكبير. عون في صمته عن سورية يقول انه لم يعد في حرب معها بعد انسحابها. وهو في حلفه مع حزبها «الإلهي» يصر على أنه «متفاهم» معه ليس أكثر.
البرلمان اللبناني ينتخب دستوريا الرئيس. «التطبيقات التقليدية تفترض دائما وجود «ناخبين» من الخارج. هل الناخب السوري/الإيراني مستعد حقا «للتصويت» لترئيس عون أجيب بأن سورية تفضل التعاون مع جنرالات لبنان على ساسته. يكفي التذكير بترئيس الجنرال لحود والتمديد له. لكني أشك في تصويت سورية وإيران للمرشح عون. الشرع الذي ترفع في الرتبة ليصبح الناطق الإعلامي الرئاسي يمتدح عون: عقلاني. منطقي. الأسد الابن يشكر عون لتجاوزه خلافه «الشكلي» مع سورية. مع ذلك ليس لي سوى الاستنجاد بالراحلة ليلى مراد. سورية لا ترى في عون خيال «الرئيس» المجهول (مش لاقية فيك حاجة منه)
إذا «قبض» عون تعهدا سوريا ايرانيا بترئيسه، ربما يكون قد ارتكب خطأ تكتيكياً كبيراً. غريمه اللدود جعجع يقول إن الجنرال لن يستفيد (سورياً) من حربه مع «حزب الله» لإسقاط السنيورة. لعل «انفتاح» بيكر على سورية وايران يمنح عون أملا في الرهان على «وجاهة» الناخب السوري/الايراني المتجددة في لبنان.
لكن ماذا عن «الناخب الأميركي» عون زار واشنطن مرارا في المنفى وبعد العودة، وصولا الى التباهي بأنه كان وراء استصدار قانون محاسبة سورية (معاقبتها) من الكونغرس. في زيارته الأخيرة، لم يُحظَ سوى بمقابلة مساعد لكوندوليرا التي لم تزره في بيروت. أحسب أن خصوم عون الموارنة وشوا به عند «الناخب الأميركي»، بسبب علاقته «الإلهية» مع حزب الله. المرشح عون قابل الفتور الأميركي/الفرنسي بإعلانه حربا لا هوادة فيها على «الاستكبار الامبريالي».
في فقده الناخب الأميركي، فقد عون ايضا الناخب الماروني المسيحي الكامن في «أكثرية 14 آذار» التي هي، في حسابه، «أكثرية أميركية». من هنا حربه اللاهبة على موارنة السياسة، وضمنا على بطريرك الطائفة. لا ثقة هؤلاء بعون رئيساً تقابلها مرارته الشديدة إزاءهم. أسقط رموزهم في الانتخابات. هو الآن في حالة «لا حرب ولا سلم» مع البطريرك الذي سحبه أنصاره ذات يوم من فراشه، ليجبروه على الهتاف بحياة الجنرال من شرفة البطريركية، وهو كان البطريرك المسكين بالقميص واللباس خارج حلته الدينية.
وهكذا، فالجنرال عون في حروبه وسياساته المريرة كالجنرال شمشون الذي هدم الهيكل فوق الخصوم والأنصار (علي وعلى أعدائي). في متابعتي الطويلة لمسيرته ألمس حياة «حربية» وسياسية حافلة. شاب من فقراء الموارنة انتسب للجيش ضابط مدفعية. من هنا أيضا، حرصه على مسافة بينه وبين الآخرين كي يكونوا دائما في مرمى نيرانه. ذهب الى منفاه بوجه فولاذي كفوهة مدفع (1990)، عاد به من المنفى (2005) وجها شاحبا لسياسي شاخ قبل الأوان. قلبه الواهن يحمل عبء 72 سنة. عويناته (نظاراته) تساعده على قراءة خطبه المكتوبة. لكن طقطقة أسنانه الصناعية تعيق خطبه بالعامية اللبنانية، وهي «الفصحى» الوحيدة التي يلتقي مع غريمه جعجع والأرملة الرئاسية نايلة معوض في تفضيلها.
عون يحاول فلسفة خطابه السياسي. يمنح سياسته الاقتصادية بعدا اجتماعيا. خطابه الدعائي موجه لبروليتاريا «المحرومين». لكن قاعدته الحقيقية هي وسط رجال المال والأعمال من هواة الوزارة والسياسة الذين مولوا نشاطات تياره السياسي. بعضهم انفضوا عنه بعد حلفه «الإلهي» مع حزب ايران. بعضهم يتهمه بالبخل الشديد (لا يمد يده الى كيسه). عون يقدم نفسه علمانياً، لا أجد في علمانيته تفسيرا «لتفاهمه» مع حزب شديد الصبغة الطائفية. اذا كان لي من مأخذ على عون، فهو أن علمانيته لم تمتد به الى اجتذاب شباب الطوائف الأخرى الى تياره. المأخذ الآخر هو أنه تأخر كثيراً في تعريب سياساته بعد فشل مشروع تدويله. كلّي أمل في أن يفسح له الحزب «الإلهي» بزيارة العواصم العربية، لا سيما انه اعترف باتفاق الطائف بعد ممانعة طويلة.
للأمانة، وجدت نفسي مع عون في معارضة دخول القوات السورية لبنان (1976). غادرت لبنان حزينا. لم أرغب في أن أرى جيش بلدي شرطيا في بلد عربي. عون غادره منفيا. عاد من منفاه الفرنسي الأول (1979) ليتحالف وهو في الجيش مع بشير الجميل المتحالف مع اسرائيل ثم اختلف معه اتفق مع جعجع ثم اقتتل معه تولى قيادة ما تبقى من الجيش اللبناني الذي مزقته الحرب الأهلية (1984)، فحارب به دروز جنبلاط. صمد في جبهة «سوق الغرب». ثم أجبر أمين الجميل على ترئيسه على حكومة عسكرية ضد حكومة سليم الحص الشرعية. أعلن «حرب التحرير». قصف السنة والشيعة الذين أراد «تحريرهم» ثم تورط في حرب مسيحية مع جعجع (2500 قتيل). هدد الأسد بقصفه بصواريخ صدام. صبر عليه الجنرال الآخر الأوسع حيلة منه. ثم هزمه بتسوية مع الوزير بيكر (1990) نفاه من لبنان. استضافه ميتران، فضاق به شيراك. والصحافة الفرنسية نبشت حساباته المصرفية. قلت لا أخوض حربا مع الجنرال عون، إنما أحب الحديث عن السياسي الذكي. عون جنرال سياسي ذكي. لكنه يخسر شارعه المسيحي. شعبيته في غيابه أكبر مما هي الآن في حضوره.
جنرال آخر يجرب حظه في زواريب السياسة البيروتية. يدخل في وساطته متاهة ترتيب الأولويات. هل يقبل بترتيب مطارنة الموارنة لها (حكومة وفاق. محكمة. قانون انتخاب. انتخابات. ترحيل لحود)، أم يعيد خلطها، قبل أن يخربطها جنرالات السياسة