يُعيد مُشاهد نشرة أخبار «نيو تي في»، والفقرات الدعائية المخصصة للزملاء الموقوفين فراس حاطوم ومحمد بربر وعبد خياط، على نفسه السؤال عن أسباب اعتقالهم. وتتسارع وتيرة السؤال وإلحاحه على إيقاع صدمة «نيو تي في» جراء الاعتقال. إذ ما زالت النشرات الإخبارية المتتالية، بما فيها من مقابلات وتصريحات وتحليلات وبيانات، حائرة لا تجد تفسيراً للأمر، علناً في الأقل. وهكذا اتسعت شاشة «نيو تي في» للآراء والأقوال المتناقضة التي تغلف الموضوع وتأخذه في اتجاه دعائي، أكثر مما هو صحافي. والخوف من أن تجوّفه من مضمونه هذا، وتالياً عدم معرفة المشاهد لسبب الاعتقال. فأن يُقال إن «المحطة تدفع ثمن مواقفها أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان»، كلام فيه قفز عن «اختيار الصحافي الذي يجري تحقيقاً حول ما يسمى الشاهد الملك في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، محمد زهير الصديق لا غير». الأهم من هذا أن مثل تلك العبارة لم ترد، وحسب، على لسان سياسي محلي لم يشاهد أياً من تقارير حاطوم، لكنه ما أن علم بخبر الاعتقال حتى سارع إلى مبنى «نيو تي في» للتضامن مع المحطة التي كانت إبان الحرب على الجبهة وفي مقدمة المحطات الفضائية اللبنانية والعربية. تلك العبارة وردت، وترد خلال نشرات الأخبار، كأنها تساهم في تغليف الموضوع وحرف زاوية النظر إليه ومقاربته. علماً بأن الهدف منها هو وضع قضية الاعتقال في سياق وطني وسياسي واسع. لكن الأداء الإخباري لم يستوعب الصدمة بعد، ولم يصفِّ لغته بعد. ولو كان حقق ذلك لكان وضع مسألة الاعتقال، إن شاء، في إطار سياسي ووطني، على نحو مهني، من دون إطلاق رصاص في الهواء. السؤال هنا، ألا يقفز هذا الأداء الحائر والدعائي من فوق التحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ثم، ألا يتجاوز مساهمة «نيو تي في» وحاطوم في هذا الإطار لماذا لا يركز الأداء الإخباري والبرامجي على التحقيق، ويتابع ما بدأت به «نيو تي في» نفسها، منذ ارتُكبت جريمة اغتيال الحريري، لا من اليوم، تارة مع فراس حاطوم وأخرى مع أي من زملائه لماذا تبدو «نيو تي في» كحزب يحتاج إلى بطل، وإلى دور الضحية، بدلاً من أن تتابع المهمة الصحافية التي قد يكون فراس حاطوم، الصحافي الاستقصائي أو التوثيقي، قد هدد هيكلها، أو أمسك بخيط يغيِّر أمراً ما، سواء أكان في التحقيق أم في الشاهد الصديق لا بد، بالتأكيد، من التضامن مع الزملاء فراس وعبد ومحمد (ومع «نيو تي في»)، فهذا أضعف الإيمان، وحق لهم (ولكل صحافي) على المؤسسة التي يعملون فيها، بل هو حق لهم على زملائهم. وفي هذا الإطار لم تقصر «نيو تي في»، ولا يمكن أن يُعد أداؤها الحماسي مبالغة. لكنها راحت كثيراً في السياسة وأهملت عناصر وأوراقاً مهنية في يدها يمكنها تشغيلها، كالإسراع في عرض جديد تحقيق فراس حول الصدّيق وخفاياه، وما لدى القناة في هذا الملف، والإسراع في وقف الدعاية والانطلاق في ورشة صحافية من النوع الذي مارسه فراس... الخ. و«نيو تي في» من أكثر المحطات اللبنانية قدرة على ذلك، نظراً لنوعية الزملاء العاملين في أقسامها وفي مقدمها الأخبار. فإذا كان لا نقاش في أن مسألة اعتقال الزملاء سياسية، فلا نقاش أيضاً في أن أداء وسيلة الإعلام (يجب أن) يختلف عن أداء الحزب أو السياسي. وهذا ما ننتظره من «نيو تي في»، كمؤسسة وشاشة وبرامج وأخبار وزملاء. وإلا سيكون من أوقف فراس وعبد ومحمد قد حقق غايته، ألا وهي عدم نشر ما توصل إليه التحقيق الصحافي الذي يبدو أن القيمين على التحقيق الجنائي في اغتيال الحريري لا يريدونه، ولا يحتملون مساءلته لهم ولتحقيقهم أمام الرأي العام.
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.