إبنة صديقي لها من العمر نحو 21 سنة، وهي تفيض حيوية وذكاء، وقد قررت تركيز اختصاصها على العلوم الغذائية، وستنال شهادتها في حزيران المقبل مع درجة "جيد جداً".
جميع الخصائص المشار اليها لصبية لبنانية توفّر صورة مشجعة عن مستقبلها. فكيف تراه هي
تنظر الى لبنان الدولة فتجد أن الطائفية تنهش الحداثة وتصنف البشر.
وتنظر الى وسائل عمل الدولة ونطاق انتشارها فتجد أن للدولة تداخلاً في الحياة اليومية يفوق ما هو واقع الحال في الدول المتقدمة، وأن وسائل عملها أبعد ما تكون عن مواصفات العدالة الحقيقية بين المواطنين والحداثة في أنساق العمل.
وهي تدرك من قراءاتها ومحادثة أهلها أن هذا الوضع مستمر منذ عقود، وأن ما يحصل منذ اتفاق الطائف عام 1989 انهيار في المستويات وابتعاد عن الغاء الطائفية السياسية، وتقاسم طائفي بشع وظالم للمنافع العامة والخاصة.
أين هو موقعها من كل ذلك، وموقع زملائها من جميع الطوائف، ومن خلفيات اجتماعية متفاوتة
هي حصلت على جنسية اوروبية وإجازتها العلمية من الجامعة الاميركية تفتح لها مجالات العمل في 25 دولة، إن هي شاءت. ورفاق الطالبة هذه، عشرون أو أكثر بقليل، أعمارهم تراوح بين 20 و22 سنة، يركّزون جهودهم على الدراسة ونيل نتائج مشجعة كي يستطيعوا الحصول على منحة لمتابعة العلم والعمل في الخارج. جميع هؤلاء دون استثناء يسعون الى الهجرة العلمية والعملية.
وطلاب كلية الهندسة، وكلية الطب، وعلوم المعلوماتية والتصميم، جميعهم ينكبون على الدراسة وينصبون على أبواب السفارات طلبا لقبولهم في جامعات بالغرب، الولايات المتحدة، كندا، اوستراليا، فرنسا، المانيا، انكلترا وحتى أوكرانيا.
خسارة لبنان كانت كبيرة خلال ايام الحرب. والخسارة الكبرى كانت للشهداء من المدنيين والمقاتلين، ومن دمار لحقه بآلاف المنازل، ومئات المدارس، والطرق، والمصانع، والمخازن، والحقول الزراعية، ومياه الشواطىء والمياه الجارية الخ.
ومهما قيل عن هذه الخسائر، وايا تكن التقديرات كبيرة، واذا اضفنا اليها خسائر تقلّص الدخل القومي بدل استمرار زيادته بوتيرة ستة في المئة سنويا، كما كانت الحال قبل نشوب الحرب، وخسائر موارد الموازنة والسياحة الخ... يبقى ان الخسارة الكبرى تتمثل في توقف لبنان عن النمو بالمعنى الصحيح منذ عام 1975 وتقهقر بيئة السلامة الوطنية، وتناسي مستوجبات الحداثة وتواصلها مع التطورات التقنية عالميا، والانحسار عن مواكبة العولمة التي كانت تطبع حياة لبنان واللبنانيين.
ولا عجب في ان تكون الخسارة الكبرى في طاقات الشباب المتعلم، وفقدان حماستهم للبنان المستقبل. ازاء الخسارة بل الفاجعة الكبرى، ماذا نقدم اليهم اليوم
- نزاعات سياسية متصاعدة لا تتصل بخير البلد وشبابه من قريب أو بعيد. - تجمعات شعبية مع هذا الفريق او ذاك تؤخّر مجرى الحياة اليومية الطبيعي وتساهم في خفض دورة العمل الى نصف مستواها العادي. - احتقان النفوس الى حد ينذر بالصدام لأسباب قد تكون واهية او مبتذلة. - احتضان لمطالب واهداف غريبة عن لبنان واهله ونسق قيادته وحكمه. - تعديل في صورة النسيج المجتمعي تستحث الشباب من جميع الفئات والأديان على إعادة النظر في الإنتساب الى لبنان وتالياً السعي الى الهجرة السبب الأكبر للخسارة الاجتماعية والاقتصادية.
المظاهر المتمثلة في الاعتصامات والاعتصامات المقابلة وبعض الخطب الهزيلة والمحزنة والمضحكة تنهش من قلب الاقتصاد اللبناني كل يوم ما يعادل 40 مليون دولار، او نسبة 60 في المئة من إنتاج يوازي في الحالات الطبيعية 70 مليون دولار يوميا لم يعد متوافرا الا بنسبة 40 في المئة.
وهذه المظاهر تبعد عن لبنان استثمارات بمعدل 15 مليون دولار يوميا. وهي ستؤدي قبيل نهاية السنة، ودون تفعيل برنامج دعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، الى إقفال 900 مؤسسة على الأقل، وتسريح 20-25 الف موظف وموظفة غالبيتهم ستتجه الى السفارات طلباً للإنتقال الى مجتمعات أكثر تطوراً واحتراماً للإنسان ولعنصر الشباب.
ان الاعتصامات المتقابلة سوف تلهي لبنان عن اجتذاب مساعدات مؤتمر باريس – 3، وهذه ان تحققت، ويجب ان تتحقق، توفّر لجميع اللبنانيين فرصاً افضل لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي يرزح تحت وطأتها لبنان بكل محافظاته وطوائفه.
هل حكومة الوحدة الوطنية التي لم نسمع تعريفاً مقنعاً لها، تتجاوز في أهميتها حكومة مستقلين كما اقترح المطارنة الموارنة
وهل يجوز لأي فئة في لبنان إعاقة إنشاء محكمة ذات طابع دولي خاص للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وجرائم أخرى يظهر إتصالها تخطيطاً وتنظيماً بهذه الجريمة البربرية
وهل حقاً نصر على الإغراق في تعمية الحقائق وتنصيب خيالات الحقيقة مكان الجوهر
إن كنا كذلك، فلنعلم ان أبناءنا لن يكونوا للبنان ولا لنا، وتلك الخسارة الكبرى.
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.