كان وليد جنبلاط يطالب في الماضي، باستمرار، باعادة كتابة التاريخ اللبناني، ساخراً من الفصل الذي يقدم لمجازر 1860 والقائل بانها حدثت بسبب شجار وقع بين اولاد عائلتين مارونية ودرزية. فهو يريد القول ان المجازر لا تقع الا بعد تعبئة وشحن وضغائن، وعندما يسد الحاقد ابواب السماء والارض، لا يحتاج عود الثقاب الى اكثر من شجار بين اطفال. غالباً حمقى ورُعناء.
تكرر المشهد كثيراً في لبنان. فبعد قرن على 1860 تغيرت الأمم المحرضة وبقي المقاتلون انفسهم، وخصوصاً الضحايا، فهم لا يتغيرون. وعام 1975 كان المشهد قد اتسع وعدد الامم قد زاد، ومعها ازداد طبعاً عدد الضحايا والمعوقين والمهجرين والمهاجرين، والآخرين يشكلون طبقة رائعة لا تكف عن حماية لبنان من المجاعة التي ضربته عام 1914 عندما تواطأ الجراد مع الحرب مع النير الثقيل والفظ وجلاديه. وقد اصدر البنك الدولي الشهر الماضي تقريراً جاء فيه ان لبنان هو الدولة المتلقية الاولى في الشرق الاوسط، يحوّل اليه مغتربوه اكثر من خمسة مليارات دولار سنوياً متقدماً بذلك مصر والمغرب، اكثر البلدان العربية تعداداً.
كما نزل اللبنانيون الى الشارع، اشعر بفزع شديد. كنت في السابعة عشرة عندما انفجرت 1958، وكنت اعرف انها وقعت بعد شحن معد. ولم يكن صعباً ان ندرك، حتى قبل بلوغ الرشد، ان المتقاتلين – مثل الضحايا – مجرد بيادق حية او ميتة، في صراع ابعد منهم واكبر، بكثير. فلا يمكن 1860 ان تتكرر بشكل عفوي. ولا يمكن مجازر سويسرا التاريخية القديمة ان تتكرر الا في جوار هادئ، تقبل اخيراً ان هذه الدولة اصبحت وطناً كلياً، يستحق الحياة للاسباب نفسها التي كان يذهب فيها الى الحروب. اي لكونه بلداً على بحيرة تتحدث لغات كثيرة وتحضر قداديس مختلفة العظات.
نحن، لا نزال على مسافة من موطن الهدوء ونعمة السكينة، فالجوار برمته قلق ومدمى ومضطرب. والعراق الذي جاءنا منه الامام الاوزاعي في ايام هدوئه يعطي مثلاً في الرفعة والرفق والتسامح واللاطائفية، يجيئنا منه الآن الخوف والوعيد وتلميحات المصير. وايران التي كان يرسل اليها جبل عامل العلماء والفقهاء وسناء الفكر العلي، ترسل الينا التحيات اليوم على اننا ساحة مثالية في الصراع على الشرق الاوسط. وجميع الدول التي حضرت 1860 (كانت أميركا غائبة آنذاك) و1958 و1975 حاضرة الآن مع تغير طفيف وغير ملحوظ في بعض الاسماء. فالاتحاد السوفياتي صار روسيا الاتحادية. لكن دور موسكو لم يتغير ومراضاتها التاريخية لايران لم تتعدل، واحلامها بالمتوسط الدافئ، لا تزال تمر من كل باب يغلقه الاميركيون او يغلق في وجههم.
لم يفقد هذا البلد الصغير بريقه الدولي، لأنه لم يفقد موقعه الجغرافي الذي كان سعادته ولعنته معاً منذ الاسكندر الى اليوم. وهو ليس مجرد مساحة جغرافية مهمة وباحته فقط بل هو ايضاً، وخصوصاً، ارض شعب خلاق، مبدع، لكنه مليء بالجماهير التي ترفض القيد حتى الموت، وتهوى الانقياد حتى الانتحار. وكان سعيد تقي الدين يعول على النخب اللبنانية في بناء الوحدة السورية، لكنه ايضاً قال في حسرة ويأس وألم "عرفت في لبنان بغلا يدعى الرأي العام".
لذلك كان المؤلم دائماً اندفاع اللبنانيين الاعمى نحو التعادي والتقاتل.
لقد بلغ سعيد عقل الرابعة والتسعين من عمره الحالم، ولا اعرف كيف قرأ التقاتل بين طلاب الجامعات على زعامتي ميشال عون وسمير جعجع اللذين دكا المناطق المسيحية دكا حتى الرماد. ولكن ما ان خرج الاول من اول زنزانة سياسية في لبنان، وعاد الثاني من ضيافة باريس، حتى استنفرت الهراوات والمشاعر والانقسامات، وخصوصاً في عالم الاكاديميا والعلوم حيث يجاز الطلاب في التاريخ والعلوم السياسية وعلم الزوايا الحادة
طبعا، الذين انقسموا هم من بقي في لبنان من المسيحيين. اما الذين هاجروا، وهم الاكثرية، فقد انقسموا في الخارج حيث هم. ولم يسمح لهم بالتقاتل لانهم في دول يحكمها القانون ويُمنع فيها بث الحقد والبغض والتعابير الشارعية التي تسبق النزول الى الشارع، حيث يبدو البغض والحقد وسقط الكلام على ما هو. ويُهتف له. ويُضحك للجزء الاكثر ايلاما وجرحا منه. الرخيص.
انقضاض الجماهير على فؤاد السنيورة ليس السابقة الاولى في لبنان. كلما جاء الى رئاسة الحكومة رجل من طريق القدر، تنطح له الذين يعتقدون انهم صانعو الاقدار. جميعنا نعرف ان فؤاد السنيورة لم يطلب السياسة يوما، ولم يقربها. ولولا اغتيال الرئيس رفيق الحريري لامضى عمره ما بين النقيضين اللذين احبهما واتقنهما: المال والشعر. وعملا بتوصية افلاطون احب فقط الغنائي منه.
عام 1973 انقضت الناس، بتحريض من محرضيها، على رئاسة امين الحافظ. اتهمه محترفو السياسة وطالبو البقاء في الكراسي، بموقفه القومي. وكان في ذلك اكثر صدقا منهم. واتهموه في اسلامه، وهو ابن الشيخ اسماعيل الحافظ وتلميذه. واتهموا زوجته، الكاتبة ليلى عسيران، "بالشعوبية"، وهي العائدة يومها من القتال في "الكرامة". وكان اكثر من يعرف الحقيقة، هم المحرضون. ويبدو فؤاد السنيورة اليوم ضحية سائغة للغلو السياسي. ويتوافق على محاصرته اقطاب يفصل بينهم فارق ايديولوجي شديد البعد والعمق، ويفرق بينهم مستقبل متضارب الآفاق، ولا يجمع بينهم سوى آنيات غير ثابتة، تربط بين الايديولوجي صاحب القضية التي لا تتغير ومن وصفه البطريرك صفير بـ"ذي المنفعة" التي لا حرج عليها في التقلب في المكان وفي الزمان. وحده الزجاج الواقي لا يتغير، ومن خلفه يمكن اتهام الآخرين بالجبن، كما تمكن دعوتهم الى الخروج قبل ان تجف دماء عمرها 34 عاما من الاحلام ونحو قرن من العمل من اجل لبنان.
يؤسفني ان الرئيس امين الجميل وقف في السرايا يشدد على ان بكره "افتدى لبنان"، فيما وقف الرئيس فؤاد السنيورة يقول: "لسنا باعة أوهام". كلاهما كان يرد، على ما يبدو، على مقالة كتبتها. واجب ان اوضح لصداقة عمرها ثلاثون عاما مع الرئيس الجميل، ان الكاتب يستخدم الرمز والتشديد والنفي، في معرض التأكيد لفجاعة كبرى. فلو قلت ان بيار الجميل "افتدى لبنان" لورد ذلك على انه جزء من لافتة يضعها الخطاطون. وعندما كتبت تلك الجملة وضعتها في سياق الحزن والنقمة والغضب على غياب مجاني آخر. اما "باعة الاوهام" فلم اعن الرئيس السنيورة لانه يعرف، واعتقد انه ايضا يقرأ، انني ارى فيه، اولا واخيرا، واحدا من اهل الحقيقة الخلقية والوطنية والقومية. وانه قبل ذلك رجل حق.
يؤسفني ان تُقرأ العبارات الادبية بعكس مرادها، وخصوصا حين نكون جميعا في جنازة جماعية لشباب لبنان، وامرائه الصغار. ولكن يجب الا انفي مدى شعوري بالعبث وانا ارى اشجار الزنبق تتساقط. فمن اجل مَن يسقطون من اجل ان توصف اوشحة السواد في مزار بكركي بلغة فرويد وعقده من اجل ان يصعد ذوو المنفعة الى اي قطار في اي اتجاه في اي وقت
أي لبنان أراد بيار الجميل أن يفتدي بشبابه وآدابه وأصول الخطاب ألا يزال مثل هذا البلد قائما أي مجتمع كان يريد ان يبني
أجل. كنت اريد ان اقول، لم نعد نريد ان نفجع بالاموات الجميلين. تكفينا الفجاعة بالاحياء.
Forumer™ is Voted #1 Free Forum Hosting provider
Build your own community today with the largest message board hosting company.